وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين٦٩ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ( يس : ٦٩-٧٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أمر الوحدانية في قوله : وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم، وذكر أمر البعث في قوله : اصلوها اليوم- ذكر هنا الأصل الثالث. وهو الرسالة في هاتين الآيتين.
تفسير المفردات :
وما ينبغي له : أي لا يليق به ولا يصلح له، ذكر : أي عظة من الله وإرشاد للثقلين.
الإيضاح :
وما علمناه الشعر الشعر : ضرب من ضروب الكلام ذو وزن خاص ينتهي كل بيت منه بحرف خاص يسمى قافية، وهو يسير مع العواطف والأهواء، ولا يتبع ما يمليه العقل والمنطق الصحيح، ومن ثم كان مستقر الأكاذيب والمبالغات في الأهاجي والمدائح والتفاخر والتنافر، فإذا غضب الشاعر أقذع في القول، وبالغ في الذم، وضرب بالحقيقة عرض الحائط، ولا يرى في ذلك ضيرا، وإذا هو استرضي بعد قليل رفع من هجاه إلى السماكين، وأدخله في زمرة العظماء الشجعان، أو الكرماء الأجواد إلى نحو هذا مما تراه في شعر الهجائين المداحين حتى لقد بلغ الأمر بهم أن قالوا ( أعذب الشعر أكذبه ).
والقرآن الكريم آداب وأخلاق، وحكم وأحكام، وتشريع فيه سعادة البشر في دنياهم وآخرتهم، فرادى وجماعات، فحاشى أن يكون شعرا ! أو أن يمت إليه بنسب.
فالمراد من نفى تعليمه الشعر نفى أن يكون القرآن شعرا، لأن الله علمه القرآن وإذا لم يكن المعلم شاعرا لم يكن القرآن شعرا البتة.
وهذا رد لقولهم : إن القرآن شعر، وإن محمدا شاعر، ومقصدهم بهذا أنه افتراء وتخيلات وأباطيل، وليس وحيا من عند الله.
وما ينبغي له أي ولا يليق به الشعر ولا يصلح له، لأنه مبني كما علمت على الركون إلى الأهواء تبعا لفائدة ترجى، أو شفاء للنفس من ضغائن الصدور، أو كبتا لسورة حقد أو حسد بحق أو باطل، والشرائع والأحكام تنزه عن مثل هذا.
وما اتفق له عليه الصلاة والسلام دون قصد من نحو قوله يوم حنين وهو راكب بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بزمامها :
أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب
فلا يسمى شعرا، لأن مثل هذا يقع في الكلام المنثور ولا يسمى قائله شاعرا.
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشد :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *** ويأتيك ما لم تزود بالأخبار
فقال أبو بكر رضي الله عنه : ليس هكذا يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام :" إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي ".
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن الحسن : أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت هكذا :
كفى بالإسلام والشيب ناهيا للمرء
والروايةّ : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا.
فقال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله، ما علمك الشعر وما ينبغي لك ".
والخلاصة : إن الله تعالى كما جعل رسوله أميا لتكون الحجة أتم، والبرهان على المشركين أقوم، كذلك منعه قول الشعر حتى لا يكون لهم حجة أن يدعوا عليه أن القرآن من المفتريات التي يتقولها، والأباطيل التي ينمقها، وليس بوحي من عند ربه.
وبعد أن نفى عنه أنه شعر وتخيلات أثبت أنه مواعظ ونصائح فقال :
إن هو إلا ذكر وقرآن مبين أي وما القرآن إلا مواعظ من ربنا، يرشد بها عباده إلى ما فيه نفعهم وهدايتهم في معايشهم ومعادهم، نزل من الملإ الأعلى، وليس من كلام البشر، فقد تحدى المخالفين أن يأتوا بمثله فما استطاعوا، فلجؤوا إلى السيف والسنان، وتركوا المقاولة بالحجة والبرهان.
وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين٦٩ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ( يس : ٦٩-٧٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أمر الوحدانية في قوله : وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم، وذكر أمر البعث في قوله : اصلوها اليوم- ذكر هنا الأصل الثالث. وهو الرسالة في هاتين الآيتين.
تفسير المراغي
المراغي