ومن يطل الله عمره، يتبدل حاله بقدرة الله، ولا يفعل ذلك إلا الله، فيرده إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، والبله بعد الفهم، ونحو ذلك، أفلا يدركون ويتفكرون أنهم كلما تقدّمت بهم السّن، ضعفوا عن العمل، فإذا أعطاهم الله فرصة أخرى للعمل، فلن يفيدهم طول العمر شيئا، وفي هذا قطع لأعذارهم بأنه لم تتوافر لديهم الفرصة الكافية للبحث والنظر والعمل.
صفة الرسالة النبوية
ركّز القرآن الكريم في التشريع المكي على إثبات أصول الدين الثلاثة: وهي الوحدانية، كما جاء في آية سابقة في سورة يس: وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) والبعث أو اليوم الآخر كما في قوله تعالى: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) والرسالة النبوية في قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ. وهذه الأصول الثلاثة تنقض عقائد المشركين، وتقيم بدلها ما ينبغي اعتقاده ومطابقته للواقع، فإن تركوا عقائدهم الموروثة، وبادروا إلى الإيمان بأصوله الثوابت، كان لهم عزّ الدنيا والآخرة. قال الله تعالى مبينا أوصاف الرسالة النبوية:
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)
[يس:
٣٦/ ٦٩- ٧٦].
أخبر الله تعالى عن حال نبيه صلّى الله عليه وسلّم بأنه رسول من عند الله، وليس هو بشاعر، ولا
القرآن شعرا، والشعر: كلام موزون بقواف معينة، ولم يعلّم الله نبيه الشعر، ولا حاجة له به، وكان لا يقول الشعر ولا يرويه ولا يزنه، وإنما يكسر وزنه غالبا إذا نطق به، وينقل المعاني فقط. والقرآن ليس شعرا، وإنما هو ذكر من الأذكار، وموعظة من المواعظ، وكتاب إلهي واضح لمن تأمله وتدبره، واسترشد بنظامه في الحياة.
وإنما منع الله نبيه صلّى الله عليه وسلّم من الشعر ترفيعا له عما في قول الشعراء من التخيل وتزويق الكلام. أما القرآن الكريم فهو ذكر الحقائق والبراهين فما هو بقول شاعر ولا كاهن ولا ساحر.
وخصائص مهمة الرسول صلّى الله عليه وسلّم: هي إنذار كل من كان حي القلب والبصيرة، ولم يكن ميتا لكفره، وتثبيت الحقائق والتعريف بها، وليتحتم العذاب على الكافرين، ويجب الخلود لهم في النار، إذا ما أعرضوا عن الإنذار، ولم يذعنوا للحقيقة.
ثم نبّه الله قريشا حينما أعرضت عن الشرع وعبدت الأصنام، وذكّرهم بإنعامه عليهم، حيث خلق لهم الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) وسخّرها لهم، وملّكها إياهم، ولو شاء لجعلها مستعصية عليهم، نافرة منهم، ومنافع الأنعام كثيرة: أهمها أن الله تعالى جعلها مذللة منقادة لهم، فمنها مركوبهم الذي يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، ومنها ما يأكلون من لحمها.
ولهم فيها منافع أخرى غير الركوب والأكل منها، كالاستفادة من أصوافها وأوبارها وأشعارها، وجعلها مصدرا للشرب من ألبانها، أفلا يشكرون خالقها ومسخّرها وموجدها، وميسر النعم الكثيرة لهم؟! والشكر يكون بعبادة الله وطاعته، وترك الإشراك به شريكا آخر. وهذا تحريض على شكر الخالق المنعم، والقيام بوفاء النعمة.
ولكنّ كفار قريش المشركين تنكروا لهذا الواجب، وكفروا بأنعم الله، واتخذوا
الأصنام والأوثان آلهة يعبدونها من دون الله، لعلهم ينصرون بها، ويشفعون لهم، ويقربونهم إلى الله زلفى، في زعمهم.
ولكن هذه المعبودات لا تحقق فائدة لأحد، فهم لا يقدرون على نصر عبّادها ولا نصر أنفسهم، على الرغم من أنهم جند طائعون لها، أي للأصنام، يخدمونهم ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم، أي هم حراس أمناء.
ثم آنس الله نبيه عما يلقاه من صدود قومه عن دعوته وعما يلقاه منهم من ألوان الأذى، فلا تهتم أيها النبي بتكذيبهم لك وكفرهم بالله، وبأقوالهم الباطلة المفتراة حيث قالوا: هؤلاء آلهتنا، وهم شركاء لله في المعبودية، فإننا نحن (الله) نعلم جميع ما هم فيه، نعلم سرهم وجهرهم، ونعلم ما يسرّون لك من العداوة، ومعاقبوهم على ذلك.
إن كل زمرة أو مجموعة قليلة من الآيات تصلح ردا قاطعا على عقائد المشركين الوثنيين، ولكن الله جلّت حكمته، نوّع الخطاب، وكرّر المعنى، وأقام الأدلة الكثيرة في مناسبات متعددة، حتى لا يبقى لأحد عذر في البقاء على ضلاله وشركه، وهذه آيات كغيرها تثبت توحيد الله تعالى، وقدرته، وتبيّن مزيد نعمه على عباده، ليحملهم صنع المعروف على تذكر المنعم، والمبادرة إلى الإقرار بوجوده والإذعان لكلامه في قرآنه المجيد.
الرد على منكري البعث
استبد العناد والتحدي ببعض المشركين، فأعلنوا إنكار البعث واليوم الآخر، فجاء العاص بن وائل، أو أبي بن خلف إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، مجاهرا في إنكاره الآخرة،
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعظم حائل، ففتّه فقال: يا محمد: أيبعث هذا بعد ما أرمّ؟ قال: نعم، يبعث الله
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي