(وما علمناه الشعر) والمعنى نفي كون القرآن شعراً، لأن الشعر كلام متكلف موضوع، ومقال مزخرف مصنوع، منسوج على منوال الوزن والقافية، مبني على خيالات وأوهام واهية، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزه عن مماثلة كلام البشر؟ المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة. الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، ثم نفى أن يكون النبي شاعراً فقال:
(وما ينبغي له) أي لا يصح له الشعر ولا يتأتى منه، ولا يتسهل عليه لو طلبه، وأراد أن يقوله بالطبع والسجية، كما جعلناه أمياً لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض، بل كان ﷺ إذا أراد أن ينشد بيتاً قد قاله شاعر متمثلاً به كسر وزنه، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن العبد المشهور وهو قوله.
| ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً | ويأتيك بالأخبار من لم تزود |
| تفاءل بما تهوى يكن فلقلما | يقال لشيء كان إلا تحقق |
_________
(١) رواه أحمد في المسند وذكره السيوطي في الدر ٥/ ٢٦٨ والطبري في التفسير ٢٣/ ٢٧. صفحة رقم 318
حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير حدثنا علي بن عمرو الأنصاري حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره وقد سئل المزي عن هذا الحديث فقال: هو منكر ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير في إسناده.
قال البيضاوي والخازن قال العلماء: ما كان يتزن له بيت شعر وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه الشريف مكسراً، ولو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عقلاً في أن ما جاء به من عند نفسه، ولهذا قال: ويحق القول الخ كما يأتي لأنه لم يبق إلا العناد الموجب للهلاك وقال القرطبي: إصابة الوزن منه ﷺ في بعض الأحيان لا توجب أنه يعلم الشعر كقوله: أنا النبي لا كذب الخ والمعول عليه في الانفصال على تسليم أن هذا شعر، إذ التمثل بالبيت لا يوجب أن يكون قائله عالماً بالشعر ولا أن يسمى شاعراً باتفاق العلماء كما أن من خاط خيطاً على سبيل الاتفاق لا يكون خياطاً.
قال الزجاج: أي ما جعلناه شاعراً وهذا لا ينافي أن ينشىء شيئاًً من الشعر من غير قصد كونه شعراً. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: إنما أخبر الله عز وجل أنه ما علمه الشعر، وإن لم يخبر أنه لا ينشىء الشعر، وقد قالوا: كل من قال قولاً موزوناً لا يقصد به إلى شعر فليس بشاعر، وإنما وافق الشعر، فما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعراً وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر مع القصد إليه، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال:
(إن هو) أي ما القرآن (إلا ذكر) من الأذكار وموعظة من المواعظ يوعظ بها الإنس والجن.
(وقرآن مبين) أي كتاب من كتب الله السماوية مشتمل على الأحكام الشرعية يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والدرجات، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين، وأقاويل الشعراء الكاذبين.
لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)
صفحة رقم 320فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري