ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

استخدام أعضائهم وحواسّهم كما يستخدمونها في حالتهم العادية.
(٣) ننكسه: ننتقص من قوته ونرجعه إلى الوراء.
الآيات على ما هو ظاهر متصلة بالسياق السابق اتصال تعقيب وتنديد وتنبيه، ولعلها انطوت على تسلية للنبي ﷺ والمؤمنين أيضا. حيث احتوت تقريرات ربانية بأن الله لو شاء لطمس على أعين الكفار فلا يستطيعون أن يبصروا الصراط المستقيم ويسيروا فيه، أو لو شاء لمسخهم فبدّل من صورهم وأفقدهم قابلية الحركة والنشاط المعتادة وأن في ما يرونه من آثار قدرة الله وناموسه في تبديل خلق الإنسان وقواه وإرجاعه حين شيخوخته إلى الضعف وسوء الحال لدليلا على ذلك لو عقلوا.
وقد قال بعض المفسرين «١» إن ما احتوته الآيات هو من صور الحياة الأخروية والبرهنة على قدرة الله على البعث. ولكن روحها بل ومضمونها يلهمان وجاهة التأويل الذي أوّلناها به والذي قال به غير واحد من المفسرين أيضا «٢».
والمتبادر لنا أنه أريد بما قررته الآيات تقرير كون الله لم يفعل بهم ذلك إلا ليكون لهم من مواهبهم وحواسهم المعتادة التي زودهم بها وسيلة للإدراك والتمييز والحركة والنشاط حتى لا تضيع الفرصة عليهم ويستحقوا ما يستحقونه من المصير عدلا وحقا إذ عطلوا ما زودهم الله به وأضاعوا الفرصة ولم يسيروا في طريق الهدى والحق.
وينطوي في هذا إعذار وإنذار ربانيان للكفار، وحكمة ربانية سامية مستمرة الإلهام والتلقين وهي الدعوة إلى الانتفاع بالمواهب التي أودعها الله في الناس بالاستدلال على سبيل الحق والهدى والخير والسير فيها وعدم تعطيلها.
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)
. (١) حيّا: هنا بمعنى العاقل المتأمل الحي البصيرة والقلب.

(١) انظر تفسير الخازن ثم ابن كثير والطبرسي والزمخشري والطبري.
(٢) انظر المصدر نفسه.

صفحة رقم 38

والآية الأولى تنفي عن النبي ﷺ الشاعرية علما وترفعا وتقرر أن القرآن ليس إلّا تذكيرا للناس وقرآنا مبينا واضحا.
والآية الثانية تعلن أن النبي ﷺ إنما أرسل وأنزل عليه القرآن لينذر الناس فينتفع بذلك من كان ذا عقل متأمل وقلب حيّ سليم ويحق القول وتقوم الحجة على الجاحدين.
وبرغم ما يبدو من استقلال الآيتين بموضوع منفصل عما قبلهما فإن ما جاء بعدهما هو استمرار للسياق الأول في التنديد بالكفار وحكاية أقوالهم ومواقفهم بحيث يمكن أن يقال إنهما متصلتان بالسياق السابق واللاحق أيضا وإنهما جاءتا بمثابة تقرير لمهمة النبي ﷺ وهدف ما يوحيه الله إليه من قرآن. وهذا الأسلوب النظمي قد تكرر في القرآن. ويبدو أن حكمة هذا الأسلوب هنا هي تقرير أن ما يتلوه النبي ﷺ من آيات الإنذار والوعيد والتقريرات عن عظمة الله ووصف مشاهد الآخرة ومصائر الناس فيها ليس من قبيل الشعر وإنما هو قرآن رباني فيه كل الحق والحقيقة.
تعليق على نسبة العرب الشعر والشاعرية للنبي والقرآن
على أن الآيتين احتوتا موضوعا جديدا ذاتيا أيضا. وهو نفي شاعرية النبي ﷺ والقرآن. فلقد رأى الكفار النبي ﷺ يتلو الآيات البليغة القوية النافذة إلى أعماق النفوس والمؤثرة في العواطف والمشاعر فظنوا ذلك من قبيل الشعر البليغ الذي اعتادوا سماعه والتأثّر به والتحمّس له.
ولم يرد في السور السابقة حكاية عن نسبة الشعر إلى النبي ﷺ من قبل الكفار. غير أن الآيتين تلهمان بقوة أن هذا مما كانوا يقولونه قبل نزولهما. ولقد حكته عنهم آيات عديدة في سور أخرى بعد هذه السورة حيث اقتضت حكمة التنزيل ذلك. منها آية سورة الأنبياء هذه: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) وآية سورة الطور هذه: أَمْ يَقُولُونَ

صفحة رقم 39

شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
(٣٠).
وفي نفي شاعرية النبي ﷺ وتقرير خطورة مهمته في عبارة وَما يَنْبَغِي لَهُ وكذلك في تقرير كون القرآن ذكرا وإنذارا قصد آخر على ما يتبادر لنا وهو توكيد سموّ المصدر القرآني وعلوّ أهدافه وتجرّده عن المبالغات والأكاذيب والاندفاع في العاطفة والخيال، شأن الشعراء وما يصدر عنهم، ولفت نظر السامعين إلى أن ما يتلوه هو ذكر وقرآن رباني فيه الصدق والحقيقة وفيه الهدى والموعظة وفيه الدعوة الخالصة إلى الله وصراط المستقيم وفيه أسمى مبادئ الخير والصلاح وفضائل الأخلاق والنظم وفيه الإنذار والتبشير والحرص على هداية الناس وتحرير نفوسهم وقواهم وعقولهم والتسامي بها إلى مراتب الكمال الخلقي والاجتماعي والإنساني.
وكل هذا هو من مهمات النبوّة وأعلامها ومظاهرها وليس فيه شيء يمتّ إلى الشعر والشعراء. ولقد زعم الكفار بالإضافة إلى أنه شاعر أنه يتلقى شعره من شياطين الجنّ على ما كانوا يعتقدونه بالنسبة لنوابغ الشعراء وعباقرتهم فأنزل الله آيات عديدة في سورة الشعراء في هذا الصدد منها: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) ومنها: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) ومنها: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) حيث انطوى في هذه الآيات تقرير قوي في تزييف الشعر والشعراء ونفي لشاعرية النبي ﷺ والقرآن ومقارنة رائعة بين الشعر والقرآن وبين الشعراء والنبي صلى الله عليه وسلم. فالشياطين إنما تنزل بالشعر على الشعراء لا على الأنبياء، ومعظم الشعراء كاذبون أفّاكون أثيمون وفي كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون ولا يتبعهم إلّا الغاوون الضالون في حين أن النبي ﷺ معروف بكل خلق كريم

صفحة رقم 40

ويدعو إلى الله وحده وإلى مكارم الأخلاق وفضائل الآداب والحقّ والهدى وينهى عن الشرك والإثم والفواحش. ويتبعه طائفة عرفت بكرم الأخلاق والصفات فلا يمكن أن يكون النبي شاعرا ولا يمكن أن يكون القرآن شعرا من نوع الشعر الذي يقوله الشعراء وتتنزل به الشياطين. وإنما أنزله الله عزّ وجلّ، ودليل ذلك أنه متسق مع كتب الله الأولى التي أنزلها على أنبيائه الأولين والتي يعرف العرب السامعون خبرها من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم.
هذا، ومن الممكن أن يستدلّ من الآيات على أن العرب كانوا يرون في القرآن نمطا من أنماط الشعر، وأن الشعر عندهم لم يكن محصور المفهوم في ما يكون منظوما موزونا مقفّى، فقد قالوا إن النبي ﷺ شاعر في حين أن القرآن ليس شعرا حسب تعريف الشعر العربي المعتاد. ولو لم يسمعوا ما يصح أن يطلق عليه في نظرهم اسم الشعر لما قالوا إنه شاعر، ولعلّهم رأوا في السور والفصول القرآنية المتوازنة المقفّاة مثل النجم والأعلى والليل والشمس والقارعة إلخ ما برّر لهم إطلاق الشعر على القرآن والشاعر على النبي صلى الله عليه وسلم.
ولقد أوّل البغوي جملة وَما يَنْبَغِي لَهُ بمعنى لا يتسهّل له. واستدلّ على صحة التأويل بما روي من أن النبي ﷺ كان إذا تمثّل ببيت شعر جرى على لسانه مكسورا. ومن ذلك أنه كان يقول: (كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا) في مقام شطر من بيت صحيحه (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) ويقول: (ويأتيك من لم تزود بالأخبار) في مقام شطر من بيت صحيحه: (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) وإن أبا بكر راجعه فقال له: (إني لست بشاعر ولا ينبغي لي).
وهذه الأحاديث لم ترد في مساند الأحاديث الصحيحة في حين أن هناك حديثا صحيحا رواه الترمذي في سياق تفسير سورة النجم عن ابن عباس فيه بيت من الشعر صحيح قاله النبي ﷺ في سياق آية سورة النجم: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [٣٢] وهو:

إن تغفر اللهم تغفر جمّا وأيّ عبد لك لا ألمّا «١»
(١) التاج ج ٤ ص ٢٢٢.

صفحة رقم 41

وحديثين صحيحين آخرين رواهما الشيخان في سياق وقعة الخندق أو الأحزاب جاء في أحدهما عن أنس: «أن النبي ﷺ خرج إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلمّا رأى ما بهم من النّصب والجوع قال:
اللهمّ إنّ العيش عيش الآخره... فاغفر للأنصار والمهاجرة»
«١»
وجاء في ثانيهما للبراء: «إنّ النبي ﷺ كان ينقل معنا التراب ولقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا... وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا... إذا أرادوا فتنة أبينا
ورفع بها صوته: أبينا... أبينا»
«٢».
وإن كتب السيرة القديمة روت أن النبي ﷺ كان يرتجز يوم حنين وهو على بغلته قائلا:
أنا النبيّ لا كذب... أنا ابن عبد المطّلب «٣»
وإن ابن كثير روى في سياق الآيات التي نحن في صددها حديثا جاء فيه:
«أنّ النبيّ ﷺ جرحت يده فقال:
هل أنت إلّا إصبع دميت... وفي سبيل الله ما لقيت
وكل هذا شعر موزون على نمط الشعر العربي المتواتر.
والذي يتبادر لنا أنه لا منافاة بين أن يتمثّل النبي ﷺ ببعض الشعر بوزنه

(١) التاج ج ٤ ص ٣٧٤- ٣٧٥.
(٢) انظر المصدر نفسه. [.....]
(٣) طبقات ابن سعد ج ٣ ص ٢٠١.

صفحة رقم 42

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية