وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) أي: نصيبنا وحظنا من العذاب الذي توعدنا به وتحذرنا يوم الحساب قبل يوم الحساب، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له؛ ولذلك قال له على أثر ذلك: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) يصبره ويعزيه على ما يقولون؛ ليصبر على ذلك، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) ليس على سؤال العذاب والكتاب الذي حمله عامة أهل التأويل عليه، ولكنه سؤال السعة والنصيب في الدنيا، ويكون ذلك في قوم لا يؤمنون بالآخرة سألوا ما وعدوا من النعيم في الآخرة والسعة في الدنيا، وذلك أشبه لأنهم سألوا ربهم أن يعجل ذلك لهم، فلو كان على ما يحمله أهل التأويل من سؤال العذاب والكتاب على الاستهزاء بالرسول والتكذيب له، لسألوا الرسول ذلك، ولم يسألوا ربهم ذلك؛ فدل ذلك على أنه أشبه وأقرب، واللَّه أعلم.
ويكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)] على ما تقدم من قولهم: إنه ساحر وإنه كذاب، وإنه اختلق هذا القرآن من ذات نفسه ونحوه، ويؤيد ذلك قول سعيد بن جبير قال: ذكرت لهم الجنة فاشتهوا ما فيها، فقالوا: (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) أي: نصيبنا من الجنة.
* * *
قوله تعالى: (... وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ).
يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ - لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ) وجوهًا:
أحدها: أن اذكر نبأ داود، ونبأ من ذكر في هذه السورة من قوله: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ) (وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)، ومن ذكرهم - عليهم السلام - وعلى مُحَمَّد في هذه السورة، أي: اذكر نبأهم الذي لم يكن لتعرفه أنت ولا قومك من قبل هذا، لعلهم يصدقونك ويؤمنون بك؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).
والثاني: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ)، أي: اذكر صبر هَؤُلَاءِ على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لتصبر على أذى قومك وتكذيبهم إياك كما صبر أُولَئِكَ؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
والثالث: اذكر داود ومن ذكر من الأنبياء، أي: اذكر لهم المصدقين وما يكون لهم من الكرامات والثواب، كما ذكرت لهم المكذبين وما نزل بهم من العذاب، لعلهم يرجعون ويصدقونك؛ ليعلموا من هلك منهم بم هلك؟ أو ليعلموا أن في أوائلهم المصدقين له والمؤمنين، فكيف اتبعتم المكذبين منهم دون المصدقين؟! واللَّه أعلم.
ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا)، أي: اذكر جهد داود وجهد من ذكر من هَؤُلَاءِ في العبادة والدِّين وأمثال ذلك يحتمل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ).
قال عامة أهل التأويل: (ذَا الْأَيْدِ)، أي: القوة على العبادة.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَا الْأَيْدِ) في أمر اللَّه، أو في أمر الدِّين؛ لأنه ألين له الحديد حتى كان يتخذ منه الدروع وغيرها من الأسلحة، وسخر له الطير والجبال حتى كان يسبح معهم بالعشي والإشراق، وحتى كان يستعمل ما اتخذ الحديد فيمن شاء من أمر الدِّين من المحاربة مع الأعداء والدرء عن أهل الإسلام والدفع عنهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ أَوَّابٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (أَوَّابٌ) مطيع لله، مقبل على طاعته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَوَّابٌ)، أي: مسبح لله، ذكر أنه كان كثير التسبيح؛ وكذلك قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ)، أي: سبحي معه، هذا محتمل.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَّابٌ)، أي: رَجَّاع إلى اللَّه، يرجع إليه في كل
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم