فغفرنا له ذلك أي استغفر عنه وإن له عندنا بعد المغفرة لزلفى أي قربا غير متكيف ومكانة حصلت، بكمال الندم والاستغفار بحيث لولا تلك الزلة لما حصلت وقيل معناه وإن له لزلفى أي زيادة خير في الدنيا ومكانة وحسن مئاب حسن مرجع ومنقلب في الآخرة.
قلت : والظاهر أن من روى أن داود عليه السلام بعث مرة بعد مرة أوريا إلى المغازي وأراد أن يقتل ليتزوج بعده زوجته فهو كذب مفترى حاشاه عن ذلك وعامة ما يدل عليه لفظ القرآن أنه عليه السلام ود أن يكون له ما لغيره وكان له تسعا وتسعين نعجة من أمثاله فنبهه الله بهذه القضية فاستغفر وأناب عنه، قال صاحب المدارك روي أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته وكان لهم عادة في المواساة بذلك كما كان الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على امرأة أوريا فأحبها فسأله النزول له عنها واستحيى أوريا أن يرد قوله ففعل فتزوجها، قلت ولم يفعل داود عليه السلام مثل ما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم حين أعجبته زينب حيث قال لزيد أمسك عليك زوجك واتق الله فزوجها الله إياه ولأجل ذلك عاتب الله داود عليه السلام فاستغفر ربه وأناب ولفظ القرآن يؤيد هذه الرواية حيث أدعى المدعي بقوله : قال أكفلنيها وعزني في الخطاب ولم يقل أراد قتلي وحكم داود بأنه قد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه والله أعلم.
قال البغوي قال وهب بن منبه إن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة ولا يرقأ أدمعه ليلا ولا نهارا وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام يوم للقضاء بين بني إسرائيل ويوم لنسائه ويوم يسبح في الفيافي والجبال ويوم يخلو في داره فيها أربعة آلاف محراب فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه فيساعدونه على ذلك فإذا كان يوم سياحتهم يخرج في الفيافي ويرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه الجبال والحجارة والدواب والطير حتى يسيل أودية من بكائهم ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء، والسباع فإذا أمسى رجع فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه أن اليوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده فيدخل الدار التي فيها المحاريب فبسط ثلاث فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها ويجيء أربعة ألاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصا فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه ويرفع الرهبان معه أصواتهم فلا يزال يبكي حتى يغرق الفرش من دموعه ويقع داود فيها مثل الفرخ ويضطرب فيجيء ابنه سليمان عليهما السلام فيحمله فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ثم يمسح وجهه، ويقول يا رب اغفر لي ما ترى فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله، قال وهب ما رفع داود رأسه حتى قال له ملك أول أمرك ذنب وآخره مغفرة ارفع رأسك فرفع رأسه فمكث حياته لا يشرب ماء إلا مزجه بدموعه ولا يأكل الطعام إلا بله بدموعه، وذكر الأوزاعي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن مثل عيني داود كالقربتين تنقطان ماء ولقد خدعت الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض " قال وهب لما تاب الله على داود قال يا رب غفرت لي فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فاستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة قال فرسم الله خطيئته في يده اليمنى فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا رآها وما كان خطيبا للناس إلا بسط راحته فاستقبل الناس ليروا رسم خطيئته وكان يبدأ إذا دعا فاستغفر للخاطئين قبل نفسه، وقال قتادة عن الحسن كان داود بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين يقول تعالوا إلى داود الخاطئ ولا يشرب شرابا إلا مزجه بدموع عينيه وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قطعة فلا يزال يبكي حتى يبل بدموع عينيه وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين، قال وكان داود قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر فلما كان من خطيئته ما كان صام الدهر كله وقام الليل كله، وقال ثابت كان داود إذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله فلا يشدها إلا الأسى وإذا ذكر رحمة الله تراجعت، وفي القصة أن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته فلما فعل ما فعل كانت لا تصغي إلى قراءته فروي أنها قالت يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك.
التفسير المظهري
المظهري