ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

تفسير المفردات :
والزلفى : القرب من الله، والمآب : المرجع.
الإيضاح :
ثم بين أنه أجاب طلبه وغفر له إنه كان غفورا رحيما فقال :
فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب أي فغفرنا له ما وقع منه من ذلك الظن، وإنه لمن المقربين لدينا وله حسن المرجع وهو النعيم في الجنة.
هذا خلاصة ما رآه أبو حيان في البحر في تفسير هذا القصص، وهو حسن. بيد أنا نرى أن ظن داود في الخصمين وقد دخلا عليه في مثل هذا الوقت ومن غير الباب لإرادة الاغتيال- ظن له ما يؤيده من الدلائل وشواهد الحال، فلا يمكن أن يكون إثما حتى يطلب من ربه المغفرة عليه- إلى أن هذه الخصومة التي ترافعا إليه فيها وطلبا منه الحكومة، ليست من معضلات المشاكل التي يحتاج فيها إلى حكم داود، إلى أنه قد كان لهما مندوحة منها بأن ينتظرا إلى اليوم التالي حتى يجلس للقضاء ولا يضيع عليهما حق إذا هما تأخرا يوما آخر، لأن هذه الواقعة إن كانت على الوضع الذي قالاه، فليس فيها ما يدعو إلى المبادرة والتقاضي في غير موعد القضاء والوصول إلى القاضي على تلك الحال المريبة- فلا بد أنهما قد كانا يريدان غرضا آخر أخفياه غير ما كان قد ظهر منهما، ذلك الغرض هم إرادة الاغتيال، وما منعهما من تنفيذه إلا يقظة الحراس والخدم والحشم وإحاطته بهما، فاخترعا سببا لمجيئهما إليه وهو مجيئهما للاستفتاء فيما خفي عليهما، ولأجله تسورا المحراب، ومما يرشد إلى هذه النية المبيتة نية الاغتيال أن تهجم الناس على البيوت للتقاضي ليس بالمألوف ولا المعروف في أي عصر، إلى أن هذه الفتوى لا تحتاج إلى مثل داود، فهي فتوى جاءت بنت ساعتها لم يفكرا فيها من قبل، والذي ألجأهما إليها يقظة الحرس وظنهما أنهما هالكان لا محالة إذا لم يذكرا سببا يسوغ لهما دخول القصر في ذلك الحين، ومما يؤيد هذا أن اغتيال الأنبياء كان معروفا في بني إسرائيل فقد قتلوا أشعيا وزكريا كما يرشد إلى ذلك قوله : ويقتلون النبيين بغير الحق ( البقرة : ٦١ ) وحين علم داود غرضهما وتظاهرت عليه الأدلة هم أن ينتقم منهما ويجازي السيئة بمثلها وجزاء سيئة سيئة مثلها ( الشورى : ٤٠ ) ولكنه رأى أن مقام النبوة أمثل به الصفح والعفو كما قال : فمن عفا وأصلح فأجره على الله ( الشورى : ٤٠ ) ومن ثم استغفر ربه لما كان قد عزم عليه من الانتقام تأديبا لهما ولأمثالهما.
وما جاء في بعض كتب التفسير من أن المراد بالنعاج النساء كما جاء كناية عن ذلك في كلام العرب كما قال :
كنعاج الفلا تعسفن رملا***............
فذلك يتوقف على أن كلمة ( نعجة ) في اللغة العبرية تستعمل كناية عن المرأة كما هي في العربية، وتأباه كلمة ( الخلطاء ) وكذلك ما يقال من أن الخصمين كانا ملكين فإن ( تسوروا ) تأباه لأن الملائكة أجسام نورانية لا أجسام كثيفة فلا حاجة إلى التسور، إلى أن ما جاء من القصص عن ذكر السبب في مجيء الملكين مما يخل بمنصب النبوة، وفيه نسبة الكبائر إلى الأنبياء، فيجب علينا أن تطرحه، إذ يبطل الوثوق بالشرائع- إلى ما فيه من مطعن لأرباب الأديان الأخرى على المسلمين، إذ نسبوا إلى الأنبياء ما يجل مقامهم عنه، ويأباه عامة الناس فضلا عن الأنبياء الذين اصطفاهم الله لرسالاته، ومن ثم أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين.


هذا خلاصة ما رآه أبو حيان في البحر في تفسير هذا القصص، وهو حسن. بيد أنا نرى أن ظن داود في الخصمين وقد دخلا عليه في مثل هذا الوقت ومن غير الباب لإرادة الاغتيال- ظن له ما يؤيده من الدلائل وشواهد الحال، فلا يمكن أن يكون إثما حتى يطلب من ربه المغفرة عليه- إلى أن هذه الخصومة التي ترافعا إليه فيها وطلبا منه الحكومة، ليست من معضلات المشاكل التي يحتاج فيها إلى حكم داود، إلى أنه قد كان لهما مندوحة منها بأن ينتظرا إلى اليوم التالي حتى يجلس للقضاء ولا يضيع عليهما حق إذا هما تأخرا يوما آخر، لأن هذه الواقعة إن كانت على الوضع الذي قالاه، فليس فيها ما يدعو إلى المبادرة والتقاضي في غير موعد القضاء والوصول إلى القاضي على تلك الحال المريبة- فلا بد أنهما قد كانا يريدان غرضا آخر أخفياه غير ما كان قد ظهر منهما، ذلك الغرض هم إرادة الاغتيال، وما منعهما من تنفيذه إلا يقظة الحراس والخدم والحشم وإحاطته بهما، فاخترعا سببا لمجيئهما إليه وهو مجيئهما للاستفتاء فيما خفي عليهما، ولأجله تسورا المحراب، ومما يرشد إلى هذه النية المبيتة نية الاغتيال أن تهجم الناس على البيوت للتقاضي ليس بالمألوف ولا المعروف في أي عصر، إلى أن هذه الفتوى لا تحتاج إلى مثل داود، فهي فتوى جاءت بنت ساعتها لم يفكرا فيها من قبل، والذي ألجأهما إليها يقظة الحرس وظنهما أنهما هالكان لا محالة إذا لم يذكرا سببا يسوغ لهما دخول القصر في ذلك الحين، ومما يؤيد هذا أن اغتيال الأنبياء كان معروفا في بني إسرائيل فقد قتلوا أشعيا وزكريا كما يرشد إلى ذلك قوله : ويقتلون النبيين بغير الحق ( البقرة : ٦١ ) وحين علم داود غرضهما وتظاهرت عليه الأدلة هم أن ينتقم منهما ويجازي السيئة بمثلها وجزاء سيئة سيئة مثلها ( الشورى : ٤٠ ) ولكنه رأى أن مقام النبوة أمثل به الصفح والعفو كما قال : فمن عفا وأصلح فأجره على الله ( الشورى : ٤٠ ) ومن ثم استغفر ربه لما كان قد عزم عليه من الانتقام تأديبا لهما ولأمثالهما.
وما جاء في بعض كتب التفسير من أن المراد بالنعاج النساء كما جاء كناية عن ذلك في كلام العرب كما قال :
كنعاج الفلا تعسفن رملا
فذلك يتوقف على أن كلمة ( نعجة ) في اللغة العبرية تستعمل كناية عن المرأة كما هي في العربية، وتأباه كلمة ( الخلطاء ) وكذلك ما يقال من أن الخصمين كانا ملكين فإن ( تسوروا ) تأباه لأن الملائكة أجسام نورانية لا أجسام كثيفة فلا حاجة إلى التسور، إلى أن ما جاء من القصص عن ذكر السبب في مجيء الملكين مما يخل بمنصب النبوة، وفيه نسبة الكبائر إلى الأنبياء، فيجب علينا أن تطرحه، إذ يبطل الوثوق بالشرائع- إلى ما فيه من مطعن لأرباب الأديان الأخرى على المسلمين، إذ نسبوا إلى الأنبياء ما يجل مقامهم عنه، ويأباه عامة الناس فضلا عن الأنبياء الذين اصطفاهم الله لرسالاته، ومن ثم أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين.
هذا خلاصة ما رآه أبو حيان في البحر في تفسير هذا القصص، وهو حسن. بيد أنا نرى أن ظن داود في الخصمين وقد دخلا عليه في مثل هذا الوقت ومن غير الباب لإرادة الاغتيال- ظن له ما يؤيده من الدلائل وشواهد الحال، فلا يمكن أن يكون إثما حتى يطلب من ربه المغفرة عليه- إلى أن هذه الخصومة التي ترافعا إليه فيها وطلبا منه الحكومة، ليست من معضلات المشاكل التي يحتاج فيها إلى حكم داود، إلى أنه قد كان لهما مندوحة منها بأن ينتظرا إلى اليوم التالي حتى يجلس للقضاء ولا يضيع عليهما حق إذا هما تأخرا يوما آخر، لأن هذه الواقعة إن كانت على الوضع الذي قالاه، فليس فيها ما يدعو إلى المبادرة والتقاضي في غير موعد القضاء والوصول إلى القاضي على تلك الحال المريبة- فلا بد أنهما قد كانا يريدان غرضا آخر أخفياه غير ما كان قد ظهر منهما، ذلك الغرض هم إرادة الاغتيال، وما منعهما من تنفيذه إلا يقظة الحراس والخدم والحشم وإحاطته بهما، فاخترعا سببا لمجيئهما إليه وهو مجيئهما للاستفتاء فيما خفي عليهما، ولأجله تسورا المحراب، ومما يرشد إلى هذه النية المبيتة نية الاغتيال أن تهجم الناس على البيوت للتقاضي ليس بالمألوف ولا المعروف في أي عصر، إلى أن هذه الفتوى لا تحتاج إلى مثل داود، فهي فتوى جاءت بنت ساعتها لم يفكرا فيها من قبل، والذي ألجأهما إليها يقظة الحرس وظنهما أنهما هالكان لا محالة إذا لم يذكرا سببا يسوغ لهما دخول القصر في ذلك الحين، ومما يؤيد هذا أن اغتيال الأنبياء كان معروفا في بني إسرائيل فقد قتلوا أشعيا وزكريا كما يرشد إلى ذلك قوله : ويقتلون النبيين بغير الحق ( البقرة : ٦١ ) وحين علم داود غرضهما وتظاهرت عليه الأدلة هم أن ينتقم منهما ويجازي السيئة بمثلها وجزاء سيئة سيئة مثلها ( الشورى : ٤٠ ) ولكنه رأى أن مقام النبوة أمثل به الصفح والعفو كما قال : فمن عفا وأصلح فأجره على الله ( الشورى : ٤٠ ) ومن ثم استغفر ربه لما كان قد عزم عليه من الانتقام تأديبا لهما ولأمثالهما.
وما جاء في بعض كتب التفسير من أن المراد بالنعاج النساء كما جاء كناية عن ذلك في كلام العرب كما قال :
كنعاج الفلا تعسفن رملا
فذلك يتوقف على أن كلمة ( نعجة ) في اللغة العبرية تستعمل كناية عن المرأة كما هي في العربية، وتأباه كلمة ( الخلطاء ) وكذلك ما يقال من أن الخصمين كانا ملكين فإن ( تسوروا ) تأباه لأن الملائكة أجسام نورانية لا أجسام كثيفة فلا حاجة إلى التسور، إلى أن ما جاء من القصص عن ذكر السبب في مجيء الملكين مما يخل بمنصب النبوة، وفيه نسبة الكبائر إلى الأنبياء، فيجب علينا أن تطرحه، إذ يبطل الوثوق بالشرائع- إلى ما فيه من مطعن لأرباب الأديان الأخرى على المسلمين، إذ نسبوا إلى الأنبياء ما يجل مقامهم عنه، ويأباه عامة الناس فضلا عن الأنبياء الذين اصطفاهم الله لرسالاته، ومن ثم أثر عن علي رضي الله عنه أنه قال : من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير