قوله تعالى : ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب : وبسند قوي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه وكانت امرأته، وكانت أحب نسائه إليه فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي فأعطته فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها : هاتي خاتمي فقالت : قد أعطيته سليمان قال : أنا سليمان قالت : كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحدا يقول : أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله عز وجل وقام الشيطان يحكم بين الناس.
فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان عليه السلام سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان فأرسلوا إلى نساء سليمان عليه السلام فقالوا لهن أيكون من سليمان شيء ؟ قلنا : نعم إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتبا فيها سحر ومكر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرأوها على الناس قالوا : بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس سليمان فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فدعا سليمان عليه السلام فقال : تحمل لي هذه السمك ؟ ثم انطلق إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى باب داره، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان عليه السلام فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه، وكان شيطانا مريدا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما فجاءوا فنقبوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثبت في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص فأخذوه وأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان عليه السلام، فأمر به فنقر له في رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله : ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا يعني : الشيطان الذي كان تسلط عليه.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : بينما سليمان بن داود جالسا على شاطئ البحر، وهو يبعث بخاتمه إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، فانطلق وخلف شيطانا في أهله فأتى عجوزا فآوى إليها فقالت له العجوز : إن شئت أن تنطلق فتطلب وأكفيك عمل البيت وإن شئت أن تكفيني عمل البيت وأنطلق فالتمس قال : فانطلق يلتمس فأتى قوما يصيدون السمك فجلس إليهم فنبذوا سمكات فانطلق بهن حتى أتى العجوز فأخذت تصلحه فشقت بطن سمكة فإذا فيها الخاتم فأخذته وقالت لسليمان عليه السلام، ما هذا ؟ فأخذه سليمان عليه السلام فلبسه فأقبلت إليه الشياطين والإنس والجن والطير والوحش، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله فأتى جزيرة في البحر فبعث إليه الشياطين فقالوا : لا نقدر عليه أنه يرد عينا في جزيرة في البحر في سبعة أيام ولا نقدر عليه حتى يسكر.
قال : فصب له في تلك العين خمرا فأقبل فشرب فسكر، فأروه الخاتم فقال : سمعا وطاعة فأوثقه سليمان عليه السلام ثم بعث به إلى الجبل فذكروا أنه جبل الدخان فالدخان الذي يرون من نفسه والماء يخرج من الجبل بوله.
عن الحسن وألقينا على كرسيه جسدا قال : هو الشيطان. دخل سليمان عليه السلام الحمام، فوضع خاتمه، عند امرأة من أوثق نسائه في نفسه فأتاها الشيطان فتمثل لها على صورة سليمان عليه السلام فأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان عليه السلام أتاها فقال لها : هاتي الخاتم فقالت : قد دفعته إليك. قال ما فعلت. . ! فهرب سليمان عليه السلام، وجلس الشيطان على ملكه وانطلق سليمان عليه السلام هاربا في الأرض يتتبع ورق الشجر خمسين ليلة، فأنكر بنو إسرائيل أمر الشيطان فقال بعضهم لبعض : هل تنكرون من أمر ملككم ما ننكر عليه ؟ قالوا : نعم قال : أما لقد هلكتم أنتم العامة، وأما قد هلك ملككم فقالوا : والله إن، عندكم من هذا الخبر، نساؤه معكم فاسألوهن، فإن كن أنكرن ما أنكرنا فقد ابتلينا فسألوهن، فقلن : إي والله لقد أنكرنا.
فلما انقضت مدته انطلق سليمان عليه السلام حتى أتي ساحل البحر، فوجد صيادين يصدون السمك فصادوا سمكا كثيرا غلبهم بعضه، فألقوه فأتاهم سليمان عليه السلام فاستطعمهم فأعطوه تلك الحيتان قال : لا، بل أطعموني من هذا فأبوا فقال : أطعموني فإني سليمان، فوثب إليه بعضهم بالعصا فضربه غضبا لسليمان، فأتى إلى تلك الحيتان التي ألقوا فأخذ منها حوتين فانطلق بهما إلى البحر فغسلهما فشق بطن أحدهما فإذا فيه الخاتم، فأخذه فجعله في يده فعاد في ملكه فجاءه الصيادون يبيعون إليه فقال لهم : لقد كنت استطعمتكم فلم تطعموني فلم أظلمكم إذا أهنتموني، ولم أحمدكم إذا أكرمتموني ؟
عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رفع سليمان عليه السلام من طرفه إلى السماء تخشعا حيث أعطاه الله تعالى ما أعطاه ".
تفسير ابن أبي حاتم
أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي الرازي
أسعد محمد الطيب