ولقد فتنا أي اختبرنا وابتلينا سليمان جواب قسم محذوف عطف على وهبنا وألقينا على كرسيه جسدا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنه قال لأطوفن الليلة على تسع وتسعين امرأة " وفي رواية " بمائة امرأة كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له الملك إن شاء الله فلم يقل ونسي فطاف عليهن فلم تحمل منهم إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " متفق عليه، قيل فجاءت القابلة بذلك الشق فألقت على كرسيه، فذلك قوله تعالى : ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب أي رجع عن ترك الاستثناء في المستقبل كذا قال طاووس، وهذا التأويل أولى الأقاويل لقوة حديث الصحيحين، والقول بتنزيه الأنبياء عن السوء ولأن الجسد جسم لا روح فيه فيصدق على هذا التأويل بلا تمحل، وأخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة أنه قال ولد لسليمان ابن فقالت الشياطين إن عاش لم ننفك من السخرة فسبيلنا أن نقتله أو نخبله فعلم ذلك سليمان فكان يقوده في السحاب خوفا من غرة الشياطين فما شعر به إلا أن ألقي على كرسيه ميتا فتنة على زلته في أن لم يتوكل فيه على ربه.
وقال البغوي : ذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال سمع سليمان عليه السلام بمدينة في جزيرة البحر يقال لها صيدون بها ملك عظيم الشأن لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر وكان الله قد أتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه الريح فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس فقتل ملكها واستفاء ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة لم يروا مثلها حسنا وجمالا واصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وأحبها حبا شديدا لم يحب شيئا من نسائه وكانت على منزلتها عنده ولا تذهب حزنها ولا يرقى دمعها : فشق ذلك سليمان فقال لها ويحك ما هذا الحزن الذي لا تذهب والدمع الذي لا يرقى قالت إن أبي أذكره واذكر ملكه وما كان فيه وما أصاب به فيحزنني ذلك، قال سليمان فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه وسلطانا هو أعظم من سلطانه وهداك الإسلام وهو خير من ذلك كله.
قالت ذلك كذلك ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في دار التي أنا فيها وأراها بكرة وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي فأمر سليمان الشياطين فقالوا مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا ينكر منها شيئا فماثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه فعمدت إليه حين صنعوه فاردته وقمصته وعممته بمثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدون له كما كانت تصنع في ملكه وتروح عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا فبلغ ذلك آصف بن برضيا وكان صديقا وكان لا يرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل حاضرا كان سليمان أو غائبا فأتاه فقال يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفذ عمري وقد حان مني الذهاب فقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم فقال افعل.
فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيبا فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى وأثني على كل نبي بما فيه فذكر ما فضله الله حتى انتهى إلى سليمان فقال ما أحلمك في صغرك وأودعك في صغرك وأفضلك في صغرك وأحكم أمرك في صغرك وأبعدك عن كل ما تكره في صغرك ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه من ذلك شيئا حتى ملأه غضبا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي الخير في صغري وسكت عما سواي ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر أمري ؟ فقال إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة فقال في داري فقال في دارك فقال : إنا لله وإن إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها ثم أمر شاب الطهارة، فأتى بثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا ينسجها إلا الأبكار ولا تغسلها إلا الأبكار ولم تمسها امرأة قد رأت الدم ثم لبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده فأمر برماد ففرش له ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله وتضرعا إليه يبكي ويدعو ويستغفر منها كان هو في داره فلم يزل كذلك حتى أمسى ثم رجع إلى داره.
وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوما عندها ثم دخل مذهبه، فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا فقال خاتمي يا أمينة فناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حاله وهيئته عند كل من رآه فقال يا أمينة خاتمي فقالت من أنت ؟ فقال آنا سليمان بن داود قالت كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته فجعل يقف على الدور من دور بني إسرائيل فيقول أنا سليمان بن داود فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع سمكة بأرغفة وشوى الأخرى فمكث على ذلك أربعين صباحا عدة ما كان عبد الوثن في داره، فأنكر آصف وعلماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين فقال آصف يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت ؟ قالوا نعم، قال أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن هل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته فدخل على نسائه فقال ويحكن هل أنكرتن من ابن داود ما أنكرنا فقلن أشده ما يدع منا امرأة في دمها ولا يغتسل من الجنابة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين ثم خرج على بني إسرائيل فقال ما في الخاصة أعظم مما في العامة، فلما مضى أربعون صباحا طار الشيطان من مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه وأعطاه السمكة التي أخذت الخاتم وخرج سليمان بسمكتيه فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه فجعله في يده ووقع ساجدا وعكفت عليه الطير والجن وأقبل عليه الإنس وعرف أن الذي كان قد دخل عليه لما كان أحدث في داره فرجع ملكه وظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال أتوني بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذ أخذته فأتي به فحاب له صخرة فأدخله فيها ثم شد عليه أخرى، ثم أوثقها ثم بالحديد والرصاص ثم أمر فقذف في البحر هذا حديث وهب.
وقال السدي : كان سبب قصة سليمان أنه كان له مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة هي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان يأتمنها على خاتمه إذا حاجته، فقالت له يوما إن أخي بينه وبين فلان خصمونة وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك، فقال نعم ولم يفعل فابتلي بقوله فأعطاها خاتمه ودخل المخرج فجاء الشيطان في صورته فأخذه وجلس على مجلس سليمان وخرج سليمان فسألها خاتمه فقالت ألم تأخذه ؟ قال لا وخرج منه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما فأنكر الناس حكمه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم حتى دخلوا على نسائه فقالوا إنا أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله فبكى النساء عند ذلك، فأقبلوا حتى أحدقوا به ونشروا التوراة فقرأوها فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت، واقبل سليمان حتى انتهى إلى صياد من صياد البحر وهو جائع قد اشتد جوعه فاستطعمه من صيده وقال إني سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه فأعطوه سمكتين مما قد حزر عندهم فشق بطنهما وجعل يغسلهما فوجد خاتمه في بطن إحداهما فلبسه فرد الله عليه ملكه وبهاءه وحامت عليه الطير فعرف القوم أنه سليمان فقاموا يعتذرون مما صنعوا، فقال ما أؤاخذكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم هذا أمر كان لابد منه ثم جاء حتى أتي ملكه وأمر حتى بالشيطان الذي أخذ خاتمه، وجعله في صندوق من حديد ثم أطبق عليه وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه وأمر به فألقي في البحر وهو هي كذلك حتى الساعة.
وروي عن سعيد بن المسيب قال احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه إحتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي فابتلاه الله عز وجل وذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما ذكرنا، وقال الحسن ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه إنتهى كلام البغوي.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وابن جرير عن السدي والنسائي وابن مردويه عن ابن عباس فذكروا القصة نحو حديث وهب بن منبه لكن في بعض الطرق أن صخر الجني لما جلس على سرير سليمان نفذ حكمه في كل شيء إلا فيه وفي نسائه وكذا قال الحسن فيما ذكر البغوي أنه ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه، وقال بعض المفسرين حديث الخاتم والشيطان والوثن في بيت سليمان من أباطيل اليهود لعنهم الله.
وقال البغوي أن في بعض الروايات أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده وكان فيه لملكه فأعاده سليمان إلى يده فسقط فأيقن سليمان بالفتنة فأتى آصف فقال لسليمان إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك في يدك أربعة عشر يوما ففر سليمان إلى سربه وأخذ آصف الخاتم فوضعه في أصبعه فثبت فهو الجسد الذي قال الله تعالى : وألقينا على كرسيه جسدا فأقام آصف في ملكه على سيرته أربعة عشر يوما إلى أن رد الله على سليمان ملكه فجلس على كرسيه فأعاد الخاتم في يده فثبت. قلت : والدليل على بطلان رواية وهب أن في تلك الرواية أنه غزا جزيرة يقال لها صيدون بها ملك عظيم الشأن لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر فخرج سليمان إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها جنوده، والقرآن ينطق أن تسخير الريح لسليمان إنما كان بعد تلك الفتنة والإنابة حيث قال الله تعالى : فسخرنا له الريح يعني بعد الفتنة والإنابة وقوله رب هب لي ملكا إلى آخره، قلت وعلى تقدير صحة تلك القصة لا يلزم سليمان صدور معصية فإن اتخاذ التماثيل كان جائزا وسجود الصورة بغير علمه لا يضره.
التفسير المظهري
المظهري