وقال (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) فانه لا معنى لارتكاب التجوز فى مثله. واما أولاده فيجوز ذلك فيهم لظهورهم بالوسائط ومنهم عيسى عليه السلام لظهوره بوساطة امه فيجوز ان النافخ فى حقه هو جبريل عليه السلام وان كان الله قد اضافه الى نفسه فى قوله (فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) ثم يقول الفقير نفخ الروح عندى عبارة عن إظهارها فى محلها وعبر عنه بالنفخ لان البدن بعد ظهور الروح فيه يكون كالمنفوخ المرتفع الممتلئ ألا ترى الى ان الميت يبقى بعد مفارقة الروح كالخشب اليابس ففيه رمز آخر فى سورة الحجر. ثم فى اضافة الروح اشارة الى تقديم روح آدم على أرواح الملائكة وغيرها لان المضاف الى القديم قديم وان كان جسد بعض الأشياء متقدما على جسده فَقَعُوا لَهُ امر من وقع يقع اى اسقطوا له: وبالفارسية [پس بر وى درافتيد] وفيه دليل على ان المأمور به ليس مجرد انحناء كما قيل وكذا فى قوله ساجِدِينَ فان حقيقة السجود وضع الوجه على الأرض اى حال كونكم ساجدين لاستحقاقه للخلافة وهذه السجود من باب التحية والتكريم فانه لا يجوز السجود لغير الله على وجه العبادة لا فى هذه الامة ولا فى الأمم السابقة وانما شاع بطريق التحية للمتقدمين ثم أبطله الإسلام فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ اى فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد له الملائكة خلافة عن الحق تعالى إذ كان متجليا فيه فوقعت هيبته على الملائكة فسجدوا له وأول من سجد له اسرافيل ولذلك جوزى بولاية اللوح المحفوظ قاله السهيلي نقلا عن النقاش كُلُّهُمْ بحيث لم يبق منهم أحد إلا سجد أَجْمَعُونَ بطريق المعية بحيث لم يتأخر فى ذلك أحد منهم عن أحد ولا اختصاص لافادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده التأكيد ايضا
چون ملك أنوار حق در وى بيافت
در سجود افتاد ودر خدمت شتافت
إِلَّا إِبْلِيسَ فانه لم يسجد والاستثناء متصل لانه كان من الملائكة فعلا ومن الجن نوعا ولذلك تناوله أمرهم. وكان اسم إبليس قبل ان يبلس من رحمة الله عزازيل والحارث وكنيته ابو كردوس وابو مرة كأنه سئل كيف ترك السجود هل كان ذلك للتأمل والتروي او غير ذلك فقيل اسْتَكْبَرَ [الاستكبار: كردن كشى كردن] اى تعظم: وبالفارسية [بزرك داشت خود را وفرمان نبرد] وسببه انه كان اعور فما رأى آثار أنوار التجلي على آدم عليه السلام
در محفلى كه خورشيد اندر شمار ذره است
خود را بزرك ديدن شرط ادب نباشد
وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ فى علم الله ازلا بالذات وفى الخارج ابدا باستقباح امر الله ولذا كانت شقاوته ذاتية لا عارضية وسعادته فى البين عارضية لا ذاتيه: قال الحافظ
من آن نكين سليمان بهيچ نستانم
كه كاه كاه برو دست أهرمن باشد
فالعبرة لما هو بالذات وذلك لا يزول لا لما هو بالعرض إذ ذاك يزول ومن هذا القبيل حال برصيصا وبلعام ونحوهما ممن هو مرزوق البداية ومحروم النهاية فالعصاة كلهم فى خطر المشيئة بل الطائعون لا يدرون بما ذايختم لهم قالوا ان الإصرار على المعاصي يجر كثيرا من العصاة الى الموت على الكفر والعياذ بالله تعالى كما جاء فى تفسير قوله تعالى (كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ)
صفحة رقم 59
والاستهزاء بها وذلك هو الكفر أعاذنا الله وإياكم منه ومن أسبابه المؤدية اليه وأماتنا على ملة الإسلام وجعلنا من المقبولين لديه انه السميع للدعاء فى كل الحضرات والمجيب للرجاء فى كل الحالات قالَ الله تعالى لابليس مشافهة حين امتنع من السجود يا إِبْلِيسُ وهذه مشافهة لا تدل على إكرام إبليس إذ يخاطب السيد عبده بطريق الغضب وتمامه فى سورة الحجر ما أي شىء مَنَعَكَ من أَنْ تَسْجُدَ اى دعاك الى ترك السجود لِما اى لمن خَلَقْتُ بِيَدَيَّ خصصته بخلقي إياه بيدي كرامة له اى خلقته بالذات من غير توسط اب وأم فذكر اليد لنفى توهم التحوز اى لتحقيق اضافة خلقه اليه تعالى واسناد اليد الى اب بعد قيام البرهان على تنزهه عن الأعضاء مجاز عن التفرد فى الخلق والإيجاد تشبيها لتفرده بالإيجاد باختصاص ما عمل الإنسان بها والتثنية فى اليد لما فى خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل فان طينته خمرت أربعين صباحا وكان خلقه مخالفا لسائر أبناء جنسه المتكونة من نطفة الأبوين او من نطفة الام مميزا عنه ببديع صنعه تعالى ولقد نظم الحكيم السنائي بعض التأويلات بالفارسية
يد او قدرتست ووجه بقاش
آمدن حكمش ونزول عطاش
اصبعينش نفاذ حكم قدر
قدمينش جلال وقهر وخطر
[ودر بعضى تفسير آمده كه مراد يد قدرت ويد نعمتست ودر فتوحات فرموده كه قدرت ونعمت شاملست همه موجودات را «لانه خلق إبليس بالقدرة التي خلق بها آدم» پس بدين منوال تأويل آدم را هيچ شرفى ثابت نشود پس لا بد است از آنكه بيدي معنى باشد كه دلالت كند بر تشريف آدم عليه السلام بر حمل نسبتين تنزيه وتشبيه كه آدم جامع هر دو صفتست مناسب مى نمايد] وفى بحر الحقائق يشير بيدي الى صفتى اللطف والقهر وهما تشتملان على جميع الصفات وما من صفة الا وهى اما من قبيل اللطف واما من قبيل القهر وما من مخلوق من جميع المخلوقات الا وهو اما مظهر صفة اللطف او مظهر صفة القهر كما ان الملك مظهر صفة لطف الحق والشيطان مظهر صفة قهر الحق الا الآدمي فانه خلق مظهر كلتى صفتى اللطف والقهر والعالم بما فيه بعضه مرآة صفة لطفه تعالى وبعضه مرآة صفة قهره تعالى والآدمي مرآة ذاته وصفاته تعالى كما قال (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) وبهذه الجامعية كان مستحقا لمسجودية الملائكة [ودرين معنى كفته اند]
آمد آيينه جميله ولى
همچوآيينه نكرده جلى
كشت آدم جلاء اين مرآت
شد عيان ذات او بجمله صفات
مظهرى كشت كلى وجامع
سر ذات وصفات از ولامع
والحاصل ان الله تعالى أوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه فهذا الخوف والرجاء اثر صفتى الغضب والرضى ووصف تعالى نفسه بانه جميل وذو جلال اى متصف بالصفات الجمالية وهى ما يتعلق باللطف والرحمة ومتصف بالصفات الجلالية وهى
صفحة رقم 60