قوله تعالى : قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ قد ذكرنا في ما تقدم في غير موضع أن تخصيص إضافة الشيء الواحد إلى الله عز وجل يخرج مخرج تعظيم ذلك الواحد وذلك الفرد كقوله رب هذا البيت [ قريش : ٣ ] وقوله : وأن المساجد لله [ الجن : ١٨ ]. وقوله : محمد رسول الله [ الفتح : ٢٩ ] وقوله : ألا إن أولياء الله [ يونس : ٦٢ ] وأشباه ذلك. وخص هذه الأشياء بالإضافة إليه، وإن كانت البقاع كلها والخلق كله له، على التعظيم لتلك الأشياء.
فعلى ذلك تخرج إضافة خلق آدم حين قال : خلقت بيدي وإن كان جميع الخلائق، هو خلقهم، وتخرج كلية الأشياء إلى الله وكلية الخلائق مخرج تعظيم الرب والمدح له نحو قوله عز وجل : قل الله خالق كل شيء [ الرعد : ١٦ ] [ وقوله : إن الله هو الرزاق [ الذاريات : ٥٨ ]يخلق منشأ العالم ومبدأه كقوله : وهو على كل شيء قدير [ المائدة : ١٢٠ ] وقوله : قل اللهم مالك الملك [ آل عمران : ٢٦ ] وغير ذلك على ما ذكرنا في ما تقدم، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل : بيدي قد تكلف أهل الكلام والتأويل إضافة اليد إلى الله عز وجل منهم من قال هي القوة، ومنهم من قال : كذا. لكن التكلف في ذلك فضل مع ما قد تضاف اليد إلى من لا يد له ولا جارحة، ولا عضو نحو ما قال عز وجل : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [ فصلت : ٤٢ ] لم يفهم أحد بذكر اليد له والخلف ما يفهم من الخلق، وكذلك لم يفهم ما ذكر من مجيء الحق ولا زهوق الباطل ما يفهم من مجيء الخلق وذهابهم كقوله : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } [ الإسراء : ٨١ ] وكذلك ما ذكر من مجيء البرهان حين قال عز وجل : يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم [ يونس : ٥٧ ] وقال : يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم [ النساء : ١٧٤ ] وأمثال ذلك مما يكثر عده وإحصاؤه.
لم يفهم أحد من الخلائق من مجيء هذه الأشياء التي ذكرنا مجيء الخلق، ولا فهم من ذكر اليد ما ذكرنا من الأشياء جارحة ولا عضوا. فكيف يفهم من ذكر اليد ما فهم من الخلق، لولا فساد اعتقادهم لربهم، والجهل بتعاليه عن معنى الغير ؟ وإلا لم يخطر بباله بذكر لله وإضافته إليه ما يخطر ببالهم من الخلق ومعنى الخلق.
ويحتمل أن يكون ذلك ذكر لنفسه وأضافه إليه من اليد وما ذكر لما باليد يكون العمل في المشاهد لو احتمل كون ذلك من الخلق نحو ما قال ذلك بما قدمت أيديكم [ آل عمران : ١٨٢ ] وقال : ذلك بما قدمت يداك [ الحج : ١٠ ] ونحوه مما يعلم في الحقيقة أن ذلك لم يكن بكسب اليد حقيقة ولا عمله من نحو الكفر ونحو ذلك من الأشياء.
لكنه ذكر اليد لما باليد يكتسب في الشاهد، وبها تعمل أكثر الأعمال والأفعال. وأضاف ذلك إليها لما ذكرنا، وإن لم يكن منها عمل حقيقة.
فعلى ذلك إضافة اليد إلى الله في ما أضاف على ما كان ذلك من الخلق إنما كان باليد. وعلى ذلك يخرج ما ذكر من استوائه على العرش بعد أن ذكرنا فيه ما يليق به ونفينا عنه ما لا يليق.
وأصل ذلك أنما عرفنا الله عز وجل متعاليا عن جميع معاني الغير عم كل صفات يوصف بها الغير على ما ذكر في كتابه : ليس كمثله شيء [ الشورى : ١١ ]. فإذا كان كذلك فلا حاجة لنا إلى تأويل اليد وما ذكروا أنه ما أراد به، والله أعلم.
وقوله تعالى : استكبرت أم كنت من العالين معناه، والله أعلم، استكبرت للحال عندما أبيت السجود له أم كنت في اعتقادك من العالين ؟ أي المستكبرين.
ويحتمل قوله عز وجل : أم كنت من العالين أم صرت من العالين أي استكبرت، وصرت من العالين على ما في قوله عز وجل : وكان من الكافرين [ الآية : ٧٤ ] أي صار من الكافرين.
ثم حرف الشك والاستفهام من الله قد ذكرنا أنه على الإيجاب والقطع ؛ كأنه قال : بلى كنت في علم الله أنك تكفر، أو يقول : وصرت من العالين أي ممن يطلب العلو كقوله تعالى : إن فرعون علا في الأرض [ القصص : ٤ ].
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم