أمرهما الى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلا وقيل: هو محمول على من استحل ذلك، وذهب جمهور الصحابة والتابعين الى وجوب نصر الحق وقتال الباغين واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وان المصيب يؤجر أجرين وجعل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ بل بمجرد طلب الملك.
وقد أخرج البزّار في حديث «القاتل والمقتول في النار» زيادة تبين المراد وهي: «إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار» ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ: «لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج: القاتل والمقتول في النار» هذا والكلام في هذا الباب طويل يرجع فيه الى المطولات لأنه خارج عن نطاق هذا الكتاب.
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٣ الى ٣٨]
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)
الإعراب:
(وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) الواو استئنافية والذي مبتدأ وجملة جاء بالصدق صلة وصدق عطف على الصلة والذي جنس المراد به بالنسبة للصلة الأولى محمد وبالنسبة للصلة الثانية المؤمنون ولذلك روعي معنى الذي في أولئك هم المتقون، وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل والمتقون خبر أولئك والجملة الاسمية خبر الذي ويؤيد هذا المعنى قراءة ابن مسعود «والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به». (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) لهم خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وجملة يشاءون صلة وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال والجملة خبر ثان للذي وذلك مبتدأ وجزاء المحسنين خبر والجملة نصب على الحال. (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) اللام للتعليل ويكفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ولام التعليل ومجرورها متعلقان بمحذوف أي يسر لهم ذلك ليكفروا ولك أن تعلق اللام ومدخولها بالمحسنين فتكون للعاقبة أي فكانت عاقبتهم التكفير والله فاعل يكفر وعنهم
متعلقان بيكفر وأسوأ مفعول به والذي مضاف إليه وجملة عملوا صلة وليس المراد هنا باسم التفضيل معناه على بابه وإنما هي من إضافة الشيء الى بعضه من غير تفضيل ومنه قولهم الأشج والناقص أعدل بني مروان لأن اسم التفضيل لو كان على بابه لاقتضى نظم الكلام انه يكفر عنهم أقبح السيئات فقط وهذا غير مراد طبعا.
(وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ) عطف على ما تقدم وأجرهم مفعول به ثان ليجزيهم وما قيل في معنى اسم التفضيل وهو أسوأ يقال هنا في معنى اسم التفضيل وهو أحسن لأنه تعالى لا يجزيهم على أفضل الحسنات فقط. (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) الهمزة للاستفهام التقريري لأن همزة الإنكار إذا دخلت على النفي أثبتته بطريق المبالغة وليس واسمها والباء حرف جر زائد وكاف مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وعبده مفعول كاف والمراد به النبي أو الجنس عامة ويؤيده قراءة حمزة والكسائي: عباده.
(وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ) لك في الواو أن تجعلها للحال فتكون الجملة حالية والمعنى أليس الله كافيك حال تخويفهم إياك هذا إذا أراد بالعبد نبيه ﷺ ولك أن تجعلها استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتفنيد ما يعمدون إليه من تخويف بالأصنام، ويخوفونك فعل مضارع ومفعول به وبالذين متعلقان بيخوفونك ومن دونه متعلقان بمحذوف هو الصلة ومن يضلل الله فما له من هاد تقدم إعرابها بنصها قريبا فجدد به عهدا. (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ) الجملة معطوفة على الجملة السابقة والإعراب متشابه والهمزة للاستفهام التقريري وليس واسمها وبعزيز الباء حرف جر زائد وعزيز مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وذي انتقام نعت.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية وسألتهم فعل وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة خلق السموات والأرض خبر والجملة في محل نصب مفعول به ثان لسألتهم المعلقة عن العمل بالاستفهام واللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف وفقا للقاعدة المشهورة ويقولن فعل مضارع معرب لعدم مباشرة نون التوكيد له وقد تقدمت له نظائر كثيرة والله خبر لمبتدأ محذوف أي هو الله أو مبتدأ والخبر محذوف أي خلقها. (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الهمزة للاستفهام والفاء الفصيحة ورأيتم بمعنى أخبروني وقد تقدم القول فيها مفصلا أكثر من مرة وما تدعون مفعول رأيتم الأول ومن دون الله حال، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على مقدر أي أتفكرتم بعد ما أقررتم به فرأيتم... (إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ) إن شرطية وأرادني الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر وهو في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف وجملة الشرط اعتراضية والجملة الاستفهامية هل هن كاشفات مفعول رأيتم الثاني وهن مبتدأ وكاشفات ضره خبر.
(أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ) عطف على الجملة السابقة وقرىء بتنوين كاشفات وممسكات ونصب ضره ورحمته على المفعولية لاسمي الفاعل. (قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) حسبي الله مبتدأ وخبر أو بالعكس والجملة مقول القول وعليه متعلقان بيتوكل ويتوكل المتوكلون فعل مضارع وفاعل.
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش