روى الشيخان في الصحيحين ( أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت ما في سورة الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله : غفورا رحيما ونزلت قل يا عبادي ١ الآية. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكون الياء وحذفها وصلا لاجتماع الساكنين والباقون بفتحها، وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس أنها نزلت في مشركي مكة كذا ذكر البغوي قول عطاء عن ابن عباس وكذا أخرج الطبراني عن ابن عباس بسند ضعيف أنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زنى يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله تعالى : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فقال وحشي هذا شرط شديد لعلي لا أقدر على ذلك فهل غير ذلك فأنزل الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقال وحشي أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أمره فأنزل الله هذه الآية، زاد البغوي فقال المسلمون هذا له خاصة أو للمسلمين عامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بل للمسلمين عامة " وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال كنا نقول للمفتتن توبة إذا ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل فيهم قل يا عبادي الذين أسرفوا الآية، وذكر البغوي أنه روي عن ابن عمر أنه قال نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بيده، ثم بعث إلى عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وأولئك النفر فأسلموا وهاجروا الذين أسرفوا على أنفسهم أي أفرطوا بالجناية عليها بالكفر والمعاصي، قال البغوي روي عن ابن عمر أنه أراد بالإسراف الكبائر لا تقنطوا من رحمة الله أي لا تيئسوا من مغفرته وتفضله إذا آمنتم وتبتم عن الشرك وهذا القيد ثابت بالإجماع وبقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ٢ وبالروايات الواردة في سبب نزول الآية فالمعنى لا تتركوا الإيمان إياسا من رحمة الله بناء على ما أسرفتم من قبل إن الله يغفر الذنوب جميعا صغيرها وكبيرها إذا تبتم عن الشرك وآمنتم بالله وحده " فإن الإسلام يهدم ما كان قبله " ٣ رواه مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومورد هذه الآية وإن كان خاصا فإنها نزلت في من أرتكب الكبائر في حالة الشرك ثم أسلم لكن لفظها عام يدل على أن العبد إذا آمن كما يدل عليه إضافته تعالى العبد إلى نفسه بناء على عرف القرآن وإن كان ارتكب الكبائر بعد الإسلام ليرجوا أن يغفر الله له إن شاء وإن لم يتب كما يدل عليه قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ٤ والتعليل في هذه الآية بقوله إنه هو الغفور الرحيم بصيغة المبالغة وإفادة الحضر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في عبادي من الدلالة على الزلة والاختصاص المقتضيين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها وتعليله بأن الله يغفر الذنوب جميعا ووضع اسم الله موضع الضمير للدلالة على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق والتأكيد بالجمع والأحاديث الواردة في هذا الباب وإجماع الأمة.
روى مقاتل بن حبان عن نافع عن ابن عمر قال كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم { ٣٣ ٥ قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا الكبائر والفواحش، قال فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك فنزلت هذه الآية قل يا عبادي الذين أسرفوا فكففنا عن القولين فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا رجونا لهن وروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال يا مذكر لم تقنط الناس ثم قرأ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية، وعن أسماء بنت زيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي " ٦ رواه أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب في شرح السنة يقول بدل يقرأ، وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعا وتسعين إنسانا ثم خرج فأتى راهبا فسأله فقال ليس لك توبة قال فقتله وجعل يسأل فقال له رجل رأيت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء بصدده نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوصى إلى هذه أن تباعدي فقال قيسوا ما بينهما فوجدوا إلى هذه أقرب بشبر فغفر له " ٧ متفق عليه، وروى مسلم بن الحجاج هذا الحديث وفيه :" فدل على راهب فأتى فقال أنه قتل تسعا وتسعين نفسا فهل لي توبة فقال لا فقتله وكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفسا فهل له توبة فقال لا فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم فلا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأتاهم ملك في صورة فجعلوه حكما فقال قيسوا بين الأرضين فإلى أيتهما أدنى فهوله فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة " وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كان رجل لم يعمل خيرا قط فأوصى لأهله إذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، قال فلما مات فعلوا ما أمرهم فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا ؟ قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له " ٨ متفق عليه.
وروى البغوي عن ضمضم بن حوش قال دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال يا يماني تعال ولا أعرفه فقال لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة فقلت من أنت يرحمك الله قال أبو هريرة قال فقلت وإن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر كان مذنبا فجعل يقول له إقصر عما أنت فيه، قال فيقول خلني وربي قال حتى وجده يوما على ذنب استعظمه، فقال اقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا يغفر الله لك أبدا ولا يدخلك الله الجنة أبدا، قال فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده قال للمذنب أدخل الجنة برحمتي وقال للآخر أتستطيع أن تحظر على عبادي رحمتي فقال لا يا رب فقال إذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته " وروى أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين " ذكر الحديث إلى آخره بعينه، وعن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية " رواه أحمد بسند حسن وابن جرير والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وفيه " فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فنكس ساعة ثم قال والله لا يغفر الله لفلان وإن الله قال من الذي يتألى علي أني لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك " أو كما قال٩ رواه مسلم، وعن ابن عباس في قوله تعالى : إلا اللمم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما " ١٠ رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب.
وفي حديث قدسي طويل عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم " أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري شيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون " ١١ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول يا رب أنى لي هذا فيقول باستغفار ولدك لك " رواه أحمد، وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الميت في القبر كالغريق المتغوث ينتظر دعوة يلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق فإذا ألحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها وإن الله ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم " رواه البيهقي في شعب الإيمان، وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب، قالوا يا رسول الله وما الحجاب ؟ قال أن تموت النفس وهي مشركة " رواه أحمد والبيهقي في كتاب البعث والنشور، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من لقي الله لا يعدل به شيئا في الدنيا ثم كان عليه مثل جبال ذنوب غفر الله له " رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور، وعن أبي هريرة قالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولدها وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة " ١٢ متفق عليه، وروى مسلم بن سلمان نحوه وفي آخره " فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة " وعن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم " سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسعى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم أترون هذه طارحة ولدها في النار فقلناه وهي تقدر على أن تطرحه، فقال الله أرحم بعباده من هذه بولدها١٣ متفق عليه، وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم " يقص على المنبر وهو يقول : ولمن خاف مقام ربه جنتان { ٤٦ } قلت وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال الثانية ولمن خاف مقام ربه جنتان { ٤٦ } فقلت الثالثة وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال وإن رغم أنف أبي الدرداء " رواه أحمد.
وعن عامر الرام قال بيننا نحن عنده يعني النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه فقال يا رسول الله مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عنهن فلففنهن بكسائي فهن أولاء معي، قال ضعهن فوضعتهن وأبت أمهن إلا لزومهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أتعجبون لرحم أم الأفراخ فراخها فوالذي بعثني بالحق لله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها إرجع بهن فضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن " ١٤ رواه أبو داود، وعن عبد الله
٢ سورة النساء، الآية: ٤٨..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج ١٢١..
٤ سورة النساء، الآية: ٤٨..
٥ سورة محمد، الآية: ٣٣..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر ٣٣٥٦..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء ٣٤٧٠، وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وعن كثر قتله ٢٧٦٦..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله ٧٥٠٦، وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه ٢٧٥٦..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة: باب: النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى ٢٦٢١..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: من سورة والنجم ٣٢٨٤..
١١ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع ٢٤٩٥..
١٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الرجاء مع الخوف ٦٤٦٩، وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ٢٧٥٢..
١٣ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ٥٩٩٩. وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله سبقت غضبه ٢٧٥٤..
١٤ أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: الأمراض المكفرة للذنوب ٣٠٨٧..
التفسير المظهري
المظهري