فنزلت ما فى سورة الفرقان والّذين لا يدعون مع الله الها اخر الى قوله غفورا رحيما ونزلت.
قُلْ يا عِبادِيَ الاية قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي «ويعقوب وخلف- ابو محمد» بسكون الياء وحذفها وصلا لاجتماع الساكنين والباقون بفتحها «١» واخرج ابن ابى حاتم بسند صحيح عن ابن عباس انها نزلت فى مشركى مكة كذا ذكر البغوي قول عطاء عن ابن عباس وكذا اخرج الطبراني عن ابن عباس بسند ضعيف انه بعث رسول الله ﷺ الى وحشي قاتل حمزة يدعوه الى الإسلام فارسل اليه كيف تدعونى الى دينك وأنت تزعم انه من قتل او أشرك او زنى يلق أثاما يّضاعف له العذاب يوم القيامة وانا قد فعلت ذلك كله فانزل الله تعالى الّا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فقال وحشي هذا شرط شديد لعلى لا اقدر على ذلك فهل غير ذلك فانزل الله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به فيغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقال وحشي أراني بعد فى شبهة فلا أدرى يغفرلى أم لا فانزل الله هذه الاية- زاد البغوي فقال المسلمون هذا له خاصة أم للمسلمين عامة قال رسول الله ﷺ بل للمسلمين عامة- واخرج الحاكم عن ابن عمر قال كنا نقول ما للمفتتن توبة إذا ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته فلمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة انزل فيهم قل يعبادى الّذين أسرفوا الاية- وذكر البغوي انه روى عن ابن عمر انه قال نزلت هذه الاية فى عيّاش بن ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد اسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا ابدا قوم اسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه فانزل الله تعالى هذه الآيات فكتبها عمر بيده ثم بعث بها الى عيّاش بن ربيعة والوليد بن الوليد وأولئك النفر فاسلموا وهاجروا الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ اى افرطوا بالجناية عليها بالكفر والمعاصي قال البغوي روى عن ابن عمر انه أراد بالإسراف الكبائر لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ اى لا تيئسوا من مغفرته وتفضله إذا أمنتم وتبتم عن الشرك وهذا القيد ثابت بالإجماع وبقوله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به وبالروايات الواردة فى سبب نزول الاية فالمعنى لا تتركوا الايمان اياسا من رحمة الله بناء على ما اسرفتم من قبل إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
صغيرها وكبيرها إذا تبتم عن الشرك وأمنتم بالله وحده فان الإسلام يهدم ما كان قبله- رواه مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ ومورد هذه الاية وان كان خاصا فانها نزلت فى من ارتكب الكبائر فى حالة الشرك ثم اسلم لكن لفظها عام يدل على ان العبد إذا أمن (كما يدل عليه إضافته تعالى العبد الى نفسه بناء على عرف القرآن وان كان ارتكب الكبائر بعد الإسلام) ليرجو ان يغفر الله له ان شاء وان لم يتب كما يدل عليه قوله تعالى انّ الله لا يغفر ان يّشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والتعليل فى هذه الاية بقوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) بصيغة المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة وتقديم ما يستدعى عموم المغفرة مما فى عبادى من الدلالة على الزلة والاختصاص المقتضيين للترحم وتخصيص ضرر الإسراف بانفسهم والنهى عن القنوط مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها وتعليله بان الله يغفر الذنوب جميعا ووضع اسم الله موضع الضمير للدلالة على انه المستغنى والمنعم على الإطلاق والتأكيد بالجمع والأحاديث الواردة فى هذا الباب واجماع الامة- روى مقاتل بن حبان عن نافع عن ابن عمر قال كنا معشر اصحاب رسول الله ﷺ نرى او نقول ليس شىء من حسناتنا الا وهى مقبولة حتى نزلت يايّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول ولا تبطلوا أعمالكم قلنا ما هذا الذي نبطل اعمالنا فقلنا الكبائر والفواحش- قال فكنا إذا راينا من أصاب شيئا منها قلنا قد هلك فنزلت هذه الاية قل يا عبادى الّذين أسرفوا- فكففنا عن القولين فكنا إذا راينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه وان لم يصب منها شيئا رجونا له- وروى عن ابن مسعود انه دخل المسجد قاصّ يقصّ وهو يذكر النار والاغلال فقام على رأسه فقال يا مذكّر لم نقنط الناس ثم قرأ قل يا عبادى الّذين أسرفوا عمل أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله الاية- وعن اسماء بنت زيد قالت سمعت رسول الله ﷺ يقرأ يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله انّ الله يغفر الذّنوب جميعا ولا يبالى- رواه احمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وفى شرح السنة يقول بدل يقرا وعن ابى سعيد الخدري عن رسول الله
صفحة رقم 223
صلى الله عليه وسلم قال كان فى بنى إسرائيل رجل قتل تسعا وتسعين إنسانا ثم خرج فاتى راهبا فساله فقال ليس لك توبة قال فقتله وجعل يسئل فقال له رجل ايت قرية كذا وكذا فادركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فاوحى الله الى هذه ان تقربى واوصى الى هذه ان تباعدى فقال قيسوا ما بينهما فوجدوا الى هذه اقرب بشبر فغفر له- متفق عليه وروى مسلم بن الحجاج هذا الحديث وفيه فدلّ على راهب فاتى فقال انه قتل تسعا وتسعين نفسا فهل لى توبة فقال لا فقتله وكمل به مائة ثم سال اعلم اهل الأرض فدل على رجل عالم فقال انه قتل مائة نفسا فهل له توبة فقال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق الى ارض كذا وكذا فان بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم فلا ترجع الى أرضك فانها ارض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فاتاهم ملك فى صورة فجعلوه حكما فقال قيسوا بين الأرضين فالى أيتهما ادنى فهو له فقاسوا فوجدوه ادنى الى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة وعن ابى هريرة عن النبي ﷺ قال كان رجل لم يعمل خيرا قط فاوصى لاهله إذا مات فحرقوه ثم ذروا نصفه فى البر ونصفه فى البحر فو الله لان قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين قال فلمّا مات فعلوا ما أمرهم فامر الله البحر فجمع ما فيه وامر البر فجمع ما فيه ثم قال له لم فعلت هذا قال من خشيتك يا ربّ وأنت اعلم فغفر له- متفق عليه- وروى البغوي عن ضمضم بن حوش قال دخلت مسجد المدينة فنادانى شيخ فقال يا يمانى (تعال ولا أعرفه) فقال لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة فقلت من أنت يرحمك الله قال ابو
هريرة قال فقلت وان هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض لاهله إذا غضب او لزوجته او لخادمه قال فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد فى العبادة والاخر كان مذنبا فجعل يقول له اقصر عما أنت فيه قال فيقول خلّنى وربى قال حتى وجده يوما على ذنب استعظمه فقال اقصر فقال خلنى وربى أبعثت علىّ رقيبا فقال والله لا يغفر الله لك ابدا
ولا يدخلك الله الجنة ابدا قال فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده قال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للاخر اتستطيع ان تحظر على عبادى رحمتى فقال لا يا رب فقال اذهبوا به الى النار قال ابو هريرة والذي نفسى بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته وروى احمد عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان رجلين كانا فى بنى إسرائيل متحابين ذكر الحديث الى آخره بعينه وعن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ لا أحب ان لى الدنيا وما فيها بهذه الاية يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رّحمة الله الاية- رواه احمد بسند حسن وابن جرير والطبراني فى الأوسط والبيهقي فى شعب الايمان وفيه فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فنكس ساعة ثم قال الا ومن أشرك ثلاث مرات وعن جندب ان رسول الله ﷺ حدّث ان رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان وان الله قال من الذي يتالى علىّ «اى يقسم منه ره» انى لا اغفر لفلان فانى قد غفرت لفلان واحبطتّ عملك- او كما قال رواه مسلم وعن ابن عباس فى قوله تعالى الّا اللّمم قال رسول الله ﷺ ان تغفر اللهم تغفر جمّا واىّ عبد لك لا الما- رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب.
وفى حديث قدسى طويل عن ابى ذر عن النبي ﷺ افعل ما أريد عطائى كلام وعذابى كلام انما امرى لشئ إذا أردته ان أقول له كن فيكون- رواه احمد والترمذي وابن ماجة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان الله عزّ وجلّ ليرفع الدرجة للعبد الصالح فى الجنة فيقول يا رب انّى لى هذا فيقول باستغفار ولدك لك- رواه احمد وعن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ الميّت فى القبر كالغريق المتغوث ينتظر دعوة يلحقه من اب او أم او أخ او صديق فاذا ألحقته كان أحب اليه من الدنيا وما فيها وان الله ليدخل على اهل القبور من دعاء اهل الأرض أمثال الجبال وان هدية الاحياء الى الأموات الاستغفار لهم- رواه البيهقي فى شعب الايمان وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ان الله ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب قالوا يا رسول الله وما الحجاب قال ان تموت النفس وهى مشركة رواه احمد والبيهقي فى كتاب البعث والنشور
وعنه قال قال رسول الله ﷺ من لقى الله لا يعدل به شيئا فى الدنيا ثم كان عليه مثل جبال ذنوب غفر الله له- رواه البيهقي فى كتاب البعث والنشور وعن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان لله مائة رحمة انزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولدها واخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة- متفق عليه وروى مسلم عن سلمان نحوه وفى آخره فاذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة- وعن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي ﷺ سبى فاذا امراة من السبي قد تحلب ثديها تسعى إذا وجدت صبيّا فى السبي أخذته فالصقته ببطنها وارضعته فقال لنا النبي ﷺ أترون هذه طارحة ولدها فى النار فقلنا لا وهى تقدر على ان لا تطرحه فقال الله ارحم بعباده من هذه بولدها- متفق عليه وعن ابى الدرداء انه سمع النبي ﷺ يقص على المنبر وهو يقول ولمن خاف مقام ربّه جنّتان قلت وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثانية ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثانية وان زنى وان سرق يا رسول الله فقال الثالثة ولمن خاف مقام ربّه جنّتان فقلت الثالثة وان زنى وان سرق يا رسول الله قال وان رغم انف ابى الدرداء- رواه احمد- وعن عامر الرام قال بينا نحن عنده (يعنى النبي صلى الله عليه وسلم) إذ اقبل رجل عليه كساء وفى يده شىء قد التف عليه فقال يا رسول الله مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فاخذتهن فوضعتهن فى كسائى فجاءت امهن فاستدارت على رأسى فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن فلففتهن بكسائى فهن أولاء معى قال ضعهن فوضعتهن وأبت امهن الا لزومهن فقال رسول الله ﷺ أتعجبون لرحم أم الافراخ فراخها فو الذي بعثني بالحق لله ارحم بعباده من أم الا فراخ بفراخها ارجع بهن فضعهن من حيث اخذتهن وامهن معهن فرجع بهن- رواه ابو داود وعن عبد الله بن عمر قال كنا مع النبي ﷺ فى بعض غزواته فمرّ بقوم فقال من القوم قالوا نحن المسلمون وامراة تخضب بقدرها ومعها ابن لها فاذا ارتفع وهج
صفحة رقم 226
تنحت به فاتت النبي ﷺ فقالت أنت رسول الله قال نعم قالت بابى أنت وأمي اليس الله ارحم الراحمين قال بلى قالت أليس الله ارحم بعباده من الام بولدها قال بلى قالت ان الام لا تلقى ولدها فى النار فاكب رسول الله ﷺ يبكى ثم رفع رأسه إليها فقال ان الله لا يعذب من عباده الا المارد المتمرد «الشديد العالي- منه ره» الذي يتمرد على الله والى ان يقول لا اله الا الله- رواه ابن ماجة وعن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ ما من عبد قال لا اله الا الله ثم مات على ذلك الا دخل الجنة قلت
وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان رنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان رنى وان سرق على رغم انف ابى ذر متفق عليه وفى الباب أحاديث كثيرة تدل على ان مال المؤمن الى الجنة لا كما قالت المعتزلة ان مرتكب الكبيرة ان لم يتب يخلد فى النار- واما استدلال المرجئة بهذه الأحاديث على ان المعاصي صغائر كانت او كبائر لا يضر مع الايمان كما ان الطاعة لا ينفع مع الكفر فباطل مستلزم لانكار الآيات والأحاديث الواردة فى المناهي وكون الصغائر والكبائر مفضية الى التعذيب والسخط من الله تعالى الا ان يتداركه المغفرة فالمذهب الحق ما قال اهل السنة والجماعة رضى الله عنهم ان الطاعة لا تنفع مع الكفر لان الطاعة لا يكون طاعة الا إذا كانت خالصة لله تعالى والا فهى معصية والايمان شرط للطاعة كالوضوء للصلوة واما المعصية فهى وان كانت فى نفسها مقتضية للتعذيب لكنها فى مشية الله تعالى ان شاء غفر له وان شاء عذبه فان غفر له غفر له اما بالتوبة واما بشفاعة من النبي ﷺ او من أحد من اتباعه واما بمحض فضل من الله تعالى وان عذبه لا يكون تعذيبه مؤبدا ان كان المرء مؤمنا لان الله تعالى وعد بالثواب على كل حسنة قال الله تعالى ومن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره والايمان رأس الحسنات والخلف فى الوعد محال ومحل الثواب الجنة لا محالة لكن المؤمن يرى ذنبه كانه قاعد تحت جبل والفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على انفه فقال به هكذا بيده فذبه عنه. رواه البخاري
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي