قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ٥٣ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون٥٤ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون٥٥ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ٥٦ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ٥٧ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين٥٨ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ( الزمر : ٥٣-٥٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن أوعد الكافرين فيما سلف – أردفه ذكر رحمته وفضله على عباده المؤمنين بغفران ذنوبهم إذا هم تابوا وأنابوا إليه وأخلصوا له العمل، ليكون في ذلك مطمع لهؤلاء الضالين ومنبهة لهم من ضلالهم.
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : إن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الأوثان ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك فأنزل الله قل يا عبادي الآية.
تفسير المفردات :
الإسراف : تجاوز الحد في كل ما يفعله المرء، وكثرة استعماله في إنفاق المال وتبذيره، والمراد هنا الإفراط في المعاصي، لا تقنطوا : أي لا تيأسوا.
الإيضاح :
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أي قل أيها الرسول للمؤمنين الذين أسرفوا على أنفسهم وتجاوزوا حدود الله، فارتكبوا محارمه وتركوا أوامره : لا تيأسوا من مغفرة الله، فهو يغفر الذنوب جميعا لمن تاب إليه ولجأ إلى جنابه، وإن كثرت وكانت كزبد البحر.
روى البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ( الفرقان : ٦٨ ) ونزل : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله .
والمراد من الآية الأولى قوله : إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ( مريم : ٦٠ ) الآية.
وروى أحمد عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم إلى آخر الآية، فقال رجل : يا رسول الله فمن أشرك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :" ألا ومن أشرك " ثلاث مرات.
وروى أحمد أيضا عن عمرو بن عنبسة رضي الله عنه قال : جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يتوكأ على عصا له فقال : يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي ؟ قال صلى الله عليه وسلم :" ألست تشهد أن لا إله إلا الله ؟ " قال : بلى وأشهد أنك رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم :" قد غفر لك غدراتك وفجراتك ".
فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة والإخلاص في العمل، ولا يقنطن عبد من رحمة الله، فإن باب الرحمة واسع كما قال : ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ( التوبة : ١٠٤ ) وقال : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ( النساء : ١١٠ ).
وروى الطبراني من طريق الشعبي عن سنيد بن شكل أنه قال : سمعت ابن مسعود يقول : إن أعظم آية في كتاب الله : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( البقرة : ٢٥٥ ) وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ( النحل : ٩٠ ) وإن أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله وإن أشد آية في كتاب الله تفويضا ومن يتق الله يجعل له مخرجا ٢ويرزقه من حيث لا يحتسب ( الطلاق : ٢-٣ ) فقال له مسروق : صدقت.
وبعد ان نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك ويرفعه، فيحل الرجاء مكانه. وجاء بما لا يبقى بعده شك ولا يخالج القلب عند سماعه ظن فقال :
إن الله يغفر الذنوب جميعا أي إن الله يغفر كل ذنب، كائنا ما كان إلا ما أخرجه النص القرآني، وهو الشرك بقوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء : ٤٨ ).
فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم، الصادقين في رجائه، الخالعين ثياب القنوط، البعيدين عن سوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده، المتوجهين إليه في طلب العفو، الملتجئين إليه في مغفرة ذنوبهم.
ثم ذكر علة ذلك فقال :
إنه هو الغفور الرحيم بهم أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد التوبة منها.
فمن أبى هذا التفضل العظيم، والعطاء الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله وتأييسهم من رحمته- أولى بهم مما بشرهم الله به- فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير هو الذي جاءت به نصوص الكتاب، وهو المسلك الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صح عنه من قوله :" يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا ".
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ٥٣ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون٥٤ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون٥٥ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ٥٦ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ٥٧ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين٥٨ بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ( الزمر : ٥٣-٥٩ ).
المعنى الجملي : بعد أن أوعد الكافرين فيما سلف – أردفه ذكر رحمته وفضله على عباده المؤمنين بغفران ذنوبهم إذا هم تابوا وأنابوا إليه وأخلصوا له العمل، ليكون في ذلك مطمع لهؤلاء الضالين ومنبهة لهم من ضلالهم.
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : إن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الأوثان ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك فأنزل الله قل يا عبادي الآية.
تفسير المراغي
المراغي