ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

ثم لما ذكر سبحانه ما ذكره من الوعيد عقبه بذكر سعة رحمته، وعظيم مغفرته، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم : أن يبشرهم بذلك، فقال : قُلْ يا عِبَادِي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله المراد بالإسراف : الإفراط في المعاصي، والاستكثار منها، ومعنى لا تقنطوا : لا تيأسوا من رحمة الله من مغفرته. ثم لما نهاهم عن القنوط أخبرهم بما يدفع ذلك، ويرفعه، ويجعل الرجاء مكان القنوط، فقال : إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً .
واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أوّلاً أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى، وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقي بعده شك، ولا يتخالج القلب عند سماعه ظنّ، فقال : إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب ، فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده، فهو في قوّة إن الله يغفر كلّ ذنب كائناً ما كان، إلا ما أخرجه النصّ القرآني، وهو الشرك إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [ النساء : ٤٨، ١١٦ ]، ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله : جَمِيعاً فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه، الخالعين لثياب القنوط الرافضين لسوء الظنّ بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته، ورحمته على عباده المتوجهين إليه في طلب العفو الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم، وما أحسن ما علل سبحانه به هذا الكلام قائلاً : إنه هو الغفور الرحيم، أي : كثير المغفرة، والرحمة عظيمهما بليغهما، واسعهما، فمن أبى هذا التفضل العظيم، والعطاء الجسيم، وظنّ أن تقنيط عباد الله، وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم الله به، فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير، وعدم التقنيط الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز، والمسلك الذي سلكه رسوله صلى الله عليه وسلم كما صح عنه من قوله :«يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا » وإذا تقرّر لك هذا، فاعلم أن الجمع بين هذه الآية، وبين قوله : إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [ النساء : ٤٨، ١١٦ ] هو أن كلّ ذنب كائناً ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له، على أنه يمكن أن يقال : إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعاً يدل على أنه يشاء غفرانها جميعاً، وذلك يستلزم : أنه يشاء المغفرة لكلّ المذنبين من المسلمين، فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية. وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية بالتوبة، وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين، وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات. فهو جمع بين الضب والنون، وبين الملاح والحادي، وعلى نفسها براقش تجني، ولو كانت هذه البشارة العظيمة مقيدة بالتوبة لم يكن لها كثير موقع، فإن التوبة من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين، وقد قال : إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [ النساء : ٤٨، ١١٦ ]، فلو كانت التوبة قيداً في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة، وقد قال سبحانه : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ [ الرعد : ٦ ] قال الواحدي : المفسرون كلهم قالوا : إن هذه الآية في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام، كالشرك وقتل النفس، ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت : هب أنها في هؤلاء القوم، فكان ماذا ؟، فإن الاعتبار بما اشتملت عليه من العموم لا بخصوص السبب كما هو متفق عليه بين أهل العلم، ولو كانت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية مقيدة بأسبابها غير متجاوزة لها لارتفعت أكثر التكاليف عن الأمة إن لم ترتفع كلها، واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله.
وفي السنة المطهرة من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما في هذا الباب ما إن عرفه المطلع عليه حقّ معرفته، وقدره حقّ قدره علم صحة ما ذكرناه، وعرف حقية ما حررناه.
قرأ الجمهور : يا عبادي بإثبات الياء، وصلا، ووقفا، وروى أبو بكر عن عاصم : أنه يقف بغير ياء. وقرأ الجمهور تقنطوا بفتح النون. وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسرها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم - قال السيوطي بسند صحيح، وابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزلت قُلْ يا عِبَادي الذين أَسْرَفُواْ الآية في مشركي أهل مكة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال : كنا نقول ليس لمفتتن توبة، وما الله بقابل منه شيئاً، عرفوا الله، وآمنوا به، وصدقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم، وكانوا يقولونه لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ الآيات ؛ قال ابن عمر : فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاصي وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي سعد قال : لما أسلم وحشي أنزل الله : والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق [ الفرقان : ٦٨ ] قال وحشيّ وأصحابه : فنحن قد ارتكبنا هذا كله، فأنزل الله قُلْ يا عِبَادِي الذين أَسْرَفُواْ الآية. وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه، وهم يضحكون، ويتحدّثون، فقال :«والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً» ثم انصرف، وأبكى القوم، وأوحى الله إليه : يا محمد لم تقنط عبادي فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :«أبشروا، وسدّدوا، وقاربوا». وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب : أنها نزلت، فيمن أفتن. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس : أنها نزلت في مشركي مكة لما قالوا : إن الله لا يغفر لهم ما قد اقترفوه من الشرك، وقتل الأنفس، وغير ذلك.
وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ثوبان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«ما أحبّ أن لي الدنيا، وما فيها بهذه الآية : قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ » إلى آخر الآية، فقال رجل : ومن أشرك ؟، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، قال :«ألا، ومن أشرك ثلاث مرات». وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم، وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ :«يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله : إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم». وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود : أنه مرّ على قاض يذكر الناس، فقال : يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ : يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال : قال عليّ : أيّ آية أوسع ؟، فجعلوا يذكرون آيات من القرآن وَمَن يَعْمَلْ سُوءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ النساء : ١١٠ ] الآية، ونحوها، فقال علي : ما في القرآن أوسع آية من يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ الآية قال : قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول لهؤلاء : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ المائدة : ٧٤ ] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء من قال أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى [ النازعات : ٢٤ ]، وقال : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى [ القصص : ٣٨ ] قال ابن عباس : ومن آيس العباد من التوبة بعد هذا، فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَن تَقُولَ نَفْسٌ قال : أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وعلمهم قبل أن يعلموا.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية