وَنُفِخَ في الصور فَصَعِقَ مَن في السموات وَمَن في الارض هذه هي : النفخة الأولى، والصور هو : القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وقد تقدّم غير مرة، ومعنى صعق : زالت عقولهم، فخرّوا مغشياً عليهم. وقيل : ماتوا. قال الواحدي : قال المفسرون : مات من الفزع، وشدة الصوت أهل السماوات والأرض. قرأ الجمهور : الصور بسكون الواو، وقرأ قتادة، وزيد بن علي بفتحها جمع صورة، والاستثناء في قوله : إِلاَّ مَن شَاء الله متصل، والمستثنى جبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وقيل : رضوان، وحملة العرش، وخزنة الجنة، والنار ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى يجوز أن يكون أخرى في محل رفع على النيابة، وهي صفة لمصدر محذوف، أي نفخة أخرى، ويجوز أن يكون في محل نصب، والقائم مقام الفاعل فيه فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ يعني : الخلق كلهم قيام على أرجلهم ينظرون ما يقال لهم أو ينتظرون ذلك. قرأ الجمهور : قيام بالرفع على أنه خبر، و ينظرون في محل نصب على الحال، وقرأ زيد بن عليّ بالنصب على أنه حال، والخبر ينظرون ، والعامل في الحال ما عمل في إذا الفجائية. قال الكسائي : كما تقول خرجت، فإذا زيد جالساً.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس : أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويطأون عقبه، فقالوا له : هذا لك يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء. قال :«حتى أنظر ما يأتيني من ربي» فجاء بالوحي : قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون [ الكافرون : ١ ] إلى آخر السورة، وأنزل الله عليه : قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون إلى قوله : مّنَ الخاسرين . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع، والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول : أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة ، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض ؟» وفي الباب أحاديث، وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف لتأويل، ولا تعسف لقال وقيل.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رجل من اليهود بسوق المدينة : والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه، فقال : أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :«قال الله وَنُفِخَ في الصور فَصَعِقَ مَن في السموات وَمَن في الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ، فأكون أوّل من يرفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله»
وأخرج أبو يعلى، والدارقطني في الإفراد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : إِلاَّ مَن شَاء الله قال :«هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة» الحديث. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من أقوال أبي هريرة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وأبو نصر السجزي في الإبانة، وابن مردويه عن أنس : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : إِلاَّ مَن شَاء الله ، فقال :«جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، وحملة العرش» وأخرج ابن المنذر عن جابر في قوله : إِلاَّ مَن شَاء الله قال : موسى، لأنه كان صعق قبل. والأحاديث الواردة في كيفية نفخ الصور كثيرة. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس في قوله : وَجِيء بالنبيين والشهداء قال : النبيين الرسل، والشهداء الذين يشهدون لهم بالبلاغ ليس فيهم طعان ولا لعان. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه في الآية قال : يشهدون بتبليغ الرسالة، وتكذيب الأمم إياهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني