هنا أيضاً ساقتهم الملائكة مع الفارق بين سَوْق الكافرين وسَوْق المتقين، فالكافرون ساقتهم الملائكة ليعجلوا لهم العذاب سَوْقاً فيه زجر وقسوة، أما المتقون فيُساقون سَوْق المحب لحبيبه ليعجلوا لهم النعيم.
وقوله (زمراً) يعني: جماعات كل جماعة على حِدَة، فهؤلاء الزهاد وهؤلاء العلماء وهؤلاء المجاهدون وهؤلاء الأمناء حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. [الزمر: ٧٣] هناك قال (فًتِحَتْ) وهنا (وَفُتِحَتْ) قالوا في أهل النار (فُتِحَتْ) هي جواب الشرط، أما هنا (وَفَتِحَتْ) ليستْ جواباً للشرط، بل جواب الشرط في النعيم المذكور بعدها، لأن فتح الأبواب ليس هو الغاية، إنما الغاية ما يتبع ذلك من النعيم.
فالواو هنا عاطفة وجملة وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. [الزمر: ٧٣] معطوفة على حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا.. [الزمر: ٧٣] ذلك لأن المؤمنين ما كانوا يشكّون في هذا اليوم، أما الكفّار فيشكونَ فيه لذلك جعل فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.. [الزمر: ٧١] جواباً للشرط قبلها.
أما في المتقين فجواب الشرط أسمى من مجرد فتح الأبواب لهم، ففتحت هذه مداخل الرحمة التي سيذكرها بعد، ويذكر مكوناتها، وكيف أنها تتدرج بداية من تحية الملائكة لهم: وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ.. [الزمر: ٧٣] لأنكم طهرتم أنفسكم من دنس المعاصي والشرك فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣] إلى آخر السورة، حيث يروْنَ الملائكة حافّين من حول العرش، وهذا هو جواب الشرط الذي يليق بهم.
جماعة أخرى من العلماء قالوا: إن جواب الشرط هو (وفتحت) والواو هذه واو الثمانية، فما المراد بواو الثمانية؟ قالوا: كان منتهى العدد عند العرب سبعة، فإذا جاء شيء بعد السبعة يعدُّونه كلاماً جديداً فيعطفونه بالواو، ومن ذلك قوله تعالى في أهل الكهف: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.. [الكهف: ٢٢] فقبل الثامن يذكر الواو.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٢] فكلمة الناهون هي الثامنة لذلك سُبقت بالواو...
ونحن لا نرى هذا الرأي، فكلمة (وَفُتِحَتْ) ليستْ هي جواب الشرط هنا، لأن جواب الشرط بالنسبة للمتقين أسمى من فتح الأبواب لهم وأسمى من قَوْل الملائكة لهم سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ.. [الزمر: ٧٣] وأسمى من طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣] لأن الحق سبحانه سيقول بعد ذلك: وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.. [الزمر: ٧٥] فذكر العرش هنا والملائكة تطوف به مُسبِّحة بحمد ربهم فيه إِشارة إلى منتهى النعيم الذي سيلاقيه المتقون، حيث يروْنَ الحق سبحانه الذي استوى على هذا العرش، هذه هي الغاية التي يناسب أن تكون جواباً للشرط السابق.
لكن لماذا أخفى اللهُ جوابَ الشرط هكذا؟ قالوا: لأنه لو قالها أي:"فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" لو قالها الآن لكانت قد سمعت، إنما أراد سبحانه أن تكون مفاجأة على أنها مما لا يخطر على قلب بشر، يعني: لا تأتي على البال.
تفسير الشعراوي
الشعراوي