قوله: مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ : يُحتمل أَنْ يكونَ متعلِّقاً ب «يَكْتُمُ» بعده أي: يكتمه مِنْ آلِ فرعون. والثاني: - وهو الظاهرُ - أنَّه متعلق بمحذوفٍ صفةً لرجل. وجاء هنا على أحسنِ ترتيبٍ: حيث قَدَّمَ المفردَ ثم
صفحة رقم 471
ما يَقْرُبُ منه وهو حرفُ الجرِّ، ثم الجملةَ. وقد تقدم إيضاحُ هذه المسألةِ في المائدةِ وغيرِها. ويترتَّبُ على الوجهين: هل كان هذا الرجلُ مِنْ قَرابَةِ فرعونَ؟ فعلى الأولِ لا دليلَ فيه، وعلى الثاني فيه دليلٌ. وقد رَدَّ بعضُهم الأولَ: بأنه لا يُقال: كَتَمْتُ مِنْ فلانٍ كذا، إنما يقال: كَتَمْتُ فلاناً كذا، فيتعدَّى لاثنين بنفسِه. قال تعالى: وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً [النساء: ٤٢]. وقال الشاعر:
| ٣٩٢٥ - كَتَمْتُكَ هَمَّاً بالجَمومَيْنِ ساهِراً | وهَمَّيْن هَمَّاً مُسْتَكِنَّاً وظاهراً |
| أحاديثَ نَفْسٍ تشتكي ما برَبِّها | ووِرْدَ هُمومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا |
قوله: أَن يَقُولَ رَبِّيَ أي: كراهةَ أَنْ يقولَ أو لأَنْ يقولَ. والعامَّةُ على ضَمِّ عين «رَجُل» وهي الفصحى. والأعمش وعبد الوارث على تسكينها، وهي لغةُ تميمٍ ونجد. وقال الزمخشري: «ولك أَنْ تُقَدِّرَ مضافاً محذوفاً أي: وقت أَنْ يقولَ. والمعنى: أتقتلونه ساعةَ سَمِعْتم منه هذا القولَ من غير رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ». وهذا الذي أجازه رَدَّه الشيخ: بأنَّ تقديرَ هذا الوقتِ لا يجوزُ إلاَّ مع صفحة رقم 472
المصدرِ المُصَرَّحِ به تقول: جِئْتُكَ صياحَ الدِّيْكِ أي: وقتَ صِياحِه، ولو قلت: أجيْئُك أنْ صاحَ الديكُ، أو أَنْ يصيحَ، لم يَصِحَّ. نصَّ عليه النحويون.
قوله: «وقد جاءَكم» جملةٌ حالية يجوز أَنْ تكونَ من المفعول. فإنْ قيلَ: هو نكرةٌ. / فالجوابُ: أنه في حيِّزِ الاستفهام وكلُّ ما سَوَّغ الابتداءَ بالنكرةِ سَوَّغ انتصابَ الحال عنها. ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الفاعل.
قوله: بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ «بعض» على بابِها، وإنما قال ذلك ليهضِمَ موسى عليه السلام بعضَ حقه في ظاهرِ الكلام، فيُرِيَهم أنه ليس بكلامِ مَنْ أعطاه حقه وافياً فَضْلاً أَنْ يتعصَّبَ له، قاله الزمخشري. وهذا أَحسنُ مِنْ قولِ غيرِه: إنَّها بمعنى كل، وأنشدوا قولَ لبيد:
| ٣٩٢٦ - تَرَّاكُ أَمْكنةٍ إذا لم يَرْضَها | أو يَرْتَبِطْ بعضُ النفوسِ حِمامُها |
| ٣٩٢٧ - قد يُدْرِكُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه | وقد يكونُ مع المستعجِلِ الزَّلَلُ |
| ٣٩٢٨ - إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها | دون الشيوخِ ترى في بعضِها خَلَلا |