تمهيد :
تمثل هذه الآيات ألوانا من جهاد المرسلين، فقد أرسل الله موسى مؤيدا بالمعجزات والبراهين إلى فرعون وقومه، لكنّ فرعون رفض دعوته، واتهمه بالسحر والكذب، كما فعل كفار مكة حين اتهموا محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر كذاب، وفيه مواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان فرعون قد أمر بقتل الذكور من بني إسرائيل، حين رأى في منامه نارا تأتي على عرشه فتحرقه، وفسّر الكهان ذلك بأن طفلا سيولد في بني إسرائيل، يكون على يديه ذهاب ملك فرعون، ثم توقّف هذا القتل، فلما أرسل الله موسى رسولا، جدد فرعون الأمر بقتل أبناء المؤمنين، حتى لا يكونوا عونا لموسى، وكان فرعون عاتيا متجبرا، يأمر بالقتل لأهون الأسباب، وكان يحاول قتل موسى، لكن حاشية فرعون تشير عليه بعدم قتل موسى خوفا من عقوبة السماء، ولعل فيهم من كان يؤمن بصدق موسى، لكنّ فرعون يتظاهر بالتجلد، ويقول لحاشيته ذروني أقتل موسى، وليدع ربه ليخلّصه من القتل، إني أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه، أو يفسد دنياكم، وهنا يتحصن موسى بالله، ويلجأ إليه مستجيرا بقوته من كل ظالم ينسى القيامة والحساب.
٢٨- وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب .
هنا رجل من آل فرعون قبطي أخفى إيمانه عن قومه، وآمن بموسى سرّا، وكان ذلك من أسباب استماع فرعون إلى نصيحته، والكفّ عن قتل موسى، قال لهم : كيف تجرؤون على قتل رجل، وإزهاق روح إنسان كل تهمته أنه يقول : ربّي الله، أي الإله الذي خلق الناس جميعا، وهو حرٌّ في اعتقاده كما أنكم أحرار صادقا في قوله، وأنه رسول من عند الله، يصبكم بعض الذي يعدكم به من الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وقد تلطف في القول معهم، وسلك مسلك الملاينة، وقدّم احتمال كذب موسى استدراجا لهم، واستجلابا لاستماعهم.
وقد روى البخاري أن عقبة بن أبي معيط خنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فدفع عقبه بن أبي معيط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم (١).
وقال الإمام علي : أشجع الناس أبو بكر، لقد دافع عن رسول الله مثل دفاع مؤمن آل فرعون، بيد أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وأبو بكر أعلن إيمانه، وبذل ماله ودمه في سبيل الله
إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب .
أي : لو كان موسى مسرفا كذابا، ما هداه الله إلى إعلان رسالته، وتأييده بالمعجزات، وإعطائه السلطان المبين، ولو كان كذابا لخذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله.
وفي هذه الفقرة تعريض بفرعون وملئه، فإن إسرافهم في القتل وكذبهم على الله، أو تكذيبهم لرسله، يُعرِّضهم لعدم هداية الله لهم إلى السبيل الصواب ومنهاج النجاة.
رواه البخاري في المناقب (٣٨٥٦، ٣٦٧٨) وفي التفسير (٤٨١٥) وأحمد في مسنده (٦٨٦٩) من حديث عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم..
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة