ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان ( قبطياً ) من آل فرعون، قال السدي : كان ابن عم فرعون، واختاره ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً، لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيلياً لأوشك أن يعاجله بالعقوبة لأنه منهم، قال ابن عباس : لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال : ياموسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [ القصص : ٢٠ ]، وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون : ذروني أَقْتُلْ موسى [ غافر : ٢٦ ] فأخذت الرجل غضبة لله عزّ وجلّ، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله : أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ ، اللهم إلا ما رواه البخاري في « صحيحه » عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال، قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ ؟ قال : بينا رسول الله ﷺ يصل بِفناء الكعبة إذ أقبل ( عقبة بن أبي معيط ) فأخذ بمنكِب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ ثم قال : أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ ؟ وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سئل :« ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من رسول الله ﷺ ؟ قال : مَرّ ﷺ ذات يوم، فقالوا له : أنت تنهاها أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال :» أنا ذاك « فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر رضي الله عنه محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان وهو يقول : يا قوم : أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ ؟ حتى فرغ من الآية كلها »، وقوله تعالى : وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ أي كيف تقتلونه وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم من المخاطبة فقال : وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ ، يعني إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي والحزم أن تتركوه ونفسه، فلا تؤذوه، فإن يك كاذباً فإن الله سبحانه سيجازيه على كذبه، وإن يك صادقاً وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فينبغي أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وشأنه.

صفحة رقم 2229

وقوله جلا وعلا : إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ أي لو كان هذا كاذباً كما تزعمون، لكان أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، وهذا نرى أمره سديداً ومنهجه مستقيماً، ولو كان من المسرفين الكذابين، لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن محذراً قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم : ياقوم لَكُمُ الملك اليوم ظَاهِرِينَ أي قد أنعم الله عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله ﷺ، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئاً من بأس الله إن أرادنا بسوء. قَالَ فِرْعَوْنُ لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى أي ما أقو لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض بَصَآئِرَ [ الإسراء : ١٠٢ ]، وقال الله تعالى : وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [ النمل : ١٤ ]، فقوله : وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد كذب فيه وافترى، وخان رعيته فغشهم وما نصحهم، وكذا وله : مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضاً في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال الله تبارك وتعالى : فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ هود : ٩٧ ]، وقال جلَّت عظمته : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى [ طه : ٧٩ ]. وفي الحديث :« ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام ».

صفحة رقم 2230

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية