أما قوله تعالى : الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه .
أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال : يا معشر الحواريين الصلاة جامعة، فخرج الحواريون في هيئة العبادة قد تضمرت البطون، وغارت العيون، واصفرت الألوان، فسار بهم عيسى عليه السلام إلى فلاة من الأرض، فقام على رأس جرثومة، فحمد الله وأثنى عليه ثم أنشأ يتلو عليهم آيات الله وحكمته فقال : يا معشر الحواريين اسمعوا ما أقول لكم. إني لأجد في كتاب الله المنزل الذي أنزل الله في الإِنجيل أشياء معلومة فاعملوا بها، قالوا : يا روح الله وما هي ؟ قال : خلق الليل لثلاث خصال، وخلق النهار لسبع خصال، فمن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه. خلق الليل لتسكن فيه العروق الفاترة التي أتعبتها في نهارك، وتستغفر لذنبك الذي كسبته في النهار ثم لا تعود فيه، وتقنت فيه قنوت الصابرين. فثلث تنام، وثلث تقوم، وثلث تتضرع إلى ربك. فهذا ما خلق له الليل، وخلق النهار لتؤدي فيه الصلاة المفروضة التي عنها تسأل وبها تُحاسَبْ وبر والديك، وأن تضرب في الأرض تبتغي المعيشة معيشة يومك، وأن تعود فيه ولياً لله تعالى كيما يتعهدكم الله برحمته، وأن تشيعوا فيه جنازة كيما تنقلبوا مغفوراً لكم، وأن تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر فهو ذروة الإِيمان وقوام الدين، وأن تجاهد في سبيل الله تراحموا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام في قبته. ومن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الله والنهار يوم القيامة وهو عند مليك مقتدر ".
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي