التوراة والنبوة، وسميت التوراة هُدىً بما فيها من الهدى والنور. ثم جعل الله التوراة ميراثا لبني إسرائيل، وموعظة لأصحاب العقول.
٦- أمر الله نبيه بأمور ثلاثة: الصبر على أذى المشركين، والاستغفار للذنب الصغير أو ما هو خلاف الأولى، أو ما صدر منه قبل النبوة أو محض التعبد، والتسبيح المقرون بالتحميد بالشكر له والثناء عليه، أو المواظبة على صلاة الفجر وصلاة العصر، قيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس: ركعتان غدوة وركعتان عشية. وبعد نسخ ذلك لا بد من المواظبة على الصلوات الخمس. والأصح حمل الاستغفار على التوبة عن ترك الأولى والأفضل، أو على ما كان قد صدر عنه قبل النبوة.
٧- إن مجادلة المشركين في آيات الله هي بغير حجة عقلية أو نقلية، ودافعهم إليها الكبر عن اتباع الحق، وقصدهم إبطال آيات الله، وإثارة الشبهات حولها، ولكن لن يحقق الله آمالهم. وما على النبي ص وأتباعه إلا الاستعاذة بالله من شر الكفار، والاعتصام به، والاستعانة بعزته وقدرته.
من دلائل وجود الله وقدرته وحكمته
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٥٧ الى ٦٥]
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١)
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)
الإعراب:
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ مبتدأ أو خبر.
قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ قَلِيلًا: صفة مصدر محذوف، تقديره: تذكرا قليلا تتذكرون، وما: زائدة، والمعنى: لا تذكّر لهم، لأنه قد يطلق لفظ القلة، ويراد بها النفي، كقولك:
قلما تأتيني، وتريد: ما تأتيني.
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ اسم إن وخبرها، واللام لام المزحلقة.
البلاغة:
الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ بينهما طباق، وكذا بين اللَّيْلَ والنَّهارَ.
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ استعارة، استعار الأعمى للكافر، والبصير للمؤمن.
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ تأكيد بإن واللام.
وَالنَّهارَ مُبْصِراً مجاز عقلي، من إسناد الشيء إلى زمانه، وهو إسناد الإبصار إلى وقته.
صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ جناس ناقص.
لا يَعْلَمُونَ تَتَذَكَّرُونَ يُؤْمِنُونَ لا يَشْكُرُونَ تُؤْفَكُونَ يَجْحَدُونَ سجع وتوافق الفواصل في الحرف الأخير.
المفردات اللغوية:
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ أي إن خلقها مع عظمها أولا في ابتداء خلق الكون من غير أصل: أكبر وأعظم من خلق الناس مرة ثانية في حال الإعادة للبعث، فالقادر على الأكبر قادر على الأصغر. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم. وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الغافل والمستبصر. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ أي ولا يستوي المحسن والمسيء، ولَا زائدة في قوله: وَلَا الْمُسِيءُ وزيادتها، لأن المقصود نفي مساواة المسيء للمحسن فيما له من الفضل والكرامة. قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ تتعظون أيها الناس، والمراد أن تذكرهم قليل جدا في حكم المعدوم، فكأنه لا تذكر لهم. وقراءة ما تَتَذَكَّرُونَ بالتاء لتغليب المخاطب أو الالتفات، وقرئ بالياء: «يتذكرون».
لا رَيْبَ فِيها لا شك في مجيئها، لوضوح الدلالة على حدوثها وإمكانها. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ لا يصدّقون بها لقصور نظرهم على ظاهر المحسوسات التي يحسون بها. ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ادعوني أثبكم، بقرينة ما بعده: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ صاغرين أذلاء، ويصح أن يراد بقوله: ادْعُونِي الدعاء والسؤال، ويكون المراد بقوله عِبادَتِي الدعاء.
لِتَسْكُنُوا فِيهِ، لتستريحوا فيه، بأن خلق الليل باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف الحركات، وهدوء الحواس. وَالنَّهارَ مُبْصِراً يبصر فيه أو به، وإسناد الإبصار إليه مجاز. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ لا يوازيه فضل. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، الله، فلا يؤمنون، لجهلهم بالمنعم، وتكرار الناس لتخصيص الكفر بهم.
ذلِكُمُ المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية. اللَّهُ رَبُّكُمْ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أخبار مترادفة يخصص اللاحق منها السابق ويقرره. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فكيف تصرفون عن عبادة الله والإيمان به إلى عبادة غيره. كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي مثل إفك هؤلاء وانصرافهم إلى عبادة الأصنام يؤفك ويصرف كل من جحد بآيات الله ومعجزاته ولم يتأملها.
قَراراً مستقرا. وَالسَّماءَ بِناءً أي سقفا قائما ثابتا مثل القبة في أبنية العرب.
وَصَوَّرَكُمْ خلقكم في تناسب واستعداد لمزاولة أعمال الحياة. الطَّيِّباتِ اللذائذ. فَتَبارَكَ اللَّهُ تقدس وتنزه. هُوَ الْحَيُّ المنفرد بالحياة الذاتية غير المستمدة من آخر. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي هو الواحد، إذ لا موجود يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته. فَادْعُوهُ فاعبدوه. مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ مخلصين له الطاعة، الخالية من الشرك والرياء.
المناسبة:
بعد الرد على المجادلين في آيات الله بتعريفهم أن جدلهم بغير سلطان ولا حجة، وكان من جدلهم إنكار البعث، ذكر الله تعالى في هذه الآيات وما يليها عشرة أدلة على وجود الله وقدرته وحكمته، للدلالة على إمكان يوم القيامة ووجوده بالفعل، منها هنا خلق السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وجعل الأرض قرارا والسماء بناء، وخلق الإنسان في أحسن صورة، ورزقه من الطيبات، واتصافه تعالى بالحياة الذاتية والوحدانية، وكان يردف بعض هذه الأدلة بالأمر بعبادة الله وطاعته، والإخلاص فيها.
التفسير والبيان:
١- لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي إن خلق السموات والأرض وما فيهما من عوالم وأفلاك وكواكب وذخائر أكبر وأعظم من خلق نفوس الناس بدءا وإعادة، فمن قدر على ذلك، فهو قادر على ما دونه، بطريق الأولى والأحرى، عملا بمقاييس الناس وتقديراتهم، وإلا فالبدء والإعادة سواء على الله تعالى، فكيف ينكرون البعث؟ كما قال سبحانه: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس ٣٦/ ٨١] وقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف ٤٦/ ٣٣].
ولكن أكثر الناس لا يعلمون بعظيم قدرة الله، ولا يتفكرون ولا يتأملون بهذه الحجة الدامغة. وهذا أول دليل على قدرة الله تعالى.
ثم ذكر الله تعالى مثلا للغافل والمجادل بالباطل، وشبهه بالأعمى، ومثلا للمتأمل المفكر المجادل بالحجة والبرهان، وشبهه بالبصير، لاستبصاره، فقال:
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي لا يتساوى الذي يجادل بالباطل، والذي يجادل بالحق، ولا يتساوى الكافر الذي لا يتأمل حجج الله وبيناته فيتدبرها، والمؤمن الذي يتفكر فيها ويتعظ بها، فالأول شبيه بالأعمى الذي تعطلت عنده حاسة البصر، والثاني شبيه بالبصير الذي تفتحت عيناه، فتأمل في الكون واتعظ، وهذا تشبيه بالمحسوسات، وبينهما فرق عظيم.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَلَا الْمُسِيءُ، قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ أي وكذلك لا يستوي المحسن بالإيمان والعمل الصالح، والمسيء بالكفر وارتكاب المعاصي، فما أقل ما يتذكر كثير من الناس ويتعظ بهذه الأمثال، ويدرك الفرق الواضح بين المؤمنين الأبرار المطيعين لربهم، وبين الكفرة الفجار المخالفين أمر ربهم.
وبعد تقرير الدليل الدال على إمكان وجود القيامة، أردفه بالإخبار عن وقوعها حتما، فقال تعالى:
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ أي إن يوم القيامة آت لا ريب في مجيئه ووقوعه وحصوله، فآمنوا بذلك إيمانا قاطعا لا شك فيه، ولكن أكثر الناس وهم الكفار لا يصدقون بالبعث، بل يكذبون بوجوده، لقصور أفهامهم، وضعف عقولهم عن إدراك الحجة.
ولما أثبت الله تعالى أن القيامة حق وصدق، أوضح طريق النجاة فيها وهو طاعة الله تعالى، فقال:
وَقالَ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
أي وأخبر الله أنه إن دعاه العبد وعبده بحق، استجاب له، فإن
«الدعاء مخ العبادة»
كما في الحديث الآتي تخريجه، فالدعاء في نفسه عبادة، والدعاء: هو السؤال بجلب النفع ودفع الضر. ودعاء غير الله لا يفيد شيئا، فإن القادر على إجابة الدعاء هو الله، والله سبحانه هو الذي أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق. وإن الذين يتكبرون ويتعظمون عن دعاء الله وعبادته وحده، سيدخلون جهنم صاغرين أذلاء.
والآية اشتملت على أمر العبادة بالدعاء والتكفل لهم بالإجابة فضلا من الله وكرما، وهذا وعد، كذلك اشتملت أيضا على وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، فالله هو الكريم الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم وملكه الواسع ما يحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة.
أخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب والحاكم وأصحاب السنن (الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه) وغيرهم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ص: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.. الآية.
وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ص: «الدعاء مخ العبادة»
لكنه ضعيف
وفي حديث آخر صحيح أخرجه الحاكم عن ابن عباس قال: «أفضل العبادة الدعاء».
وأخرج أحمد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ص: «من لم يدع الله عز وجل غضب عليه»
وفي رواية أخرى لأحمد والبزار: «من لم يسأل الله يغضب عليه».
ثم تابع الله تعالى إيراد أدلة أخرى على قدرته، والتذكير بنعمته على عباده، فقال:
٢- ٣: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي إن الله تعالى أوجد تعاقب الليل والنهار، فجعل الليل باردا مظلما للسكون والنوم
والراحة وتجديد النشاط والحيوية من عناء النهار، وجعل النهار مضيئا بالشمس لإبصار الحوائج، وطلب المعايش، ومزاولة الصناعة والتجارة والزراعة، والتنقل بالأسفار وزيارة الأقطار، وغير ذلك من مصالح العباد.
ويلاحظ أن جَعَلَ هنا بمعنى: خلق، لأنها متعدية إلى مفعول واحد، فإذا لم تكن بمعنى: خلق عديت إلى مفعولين مثل إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف ٤٣/ ٣].
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ أي إن الله تعالى بهذه النعمة وغيرها مما لا يحصى هو المتفضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون النعم ولا يعترفون بها، إما لجحودهم لها مثل الكفار، وإما لإهمالهم النظر وما يجب من شكر المنعم، مثل الجهال، كما قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ [الحج ٢٢/ ٦٦]. إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم ١٤/ ٣٤].
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات ١٠٠/ ٦]. وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ ٣٤/ ١٣].
ثم ذكر الله تعالى أنه الخالق وحده، فتجب عبادته وحده، فقال:
٤- ٥: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ أي ذلكم الذي فعل كل هذا المذكور وأنعم بهذه النعم هو الله المربي المدبر، فلا رب سواه، وهو خالق الأشياء كلها، لم يعاونه في الخلق أحد، وهو الإله الواحد الذي لا إله سواه، فكيف تنقلبون عن عبادته، وتنصرفون عن توحيده، وتعبدون غيره من الأصنام وغيرها مما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يخلق شيئا، بل هو مخلوق؟! وهذا الضلال مرض قديم، فقال تعالى:
كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أي مثل هذا الإفك
والضلال بعبادة غير الله، ضل وأفك الجاحدون لآيات الله، المنكرون لتوحيده، وصرفوا عن اتباع الصراط القويم، من غير حجة ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى.
ثم أضاف الله تعالى دليلا آخر على قدرته وحكمته، فقال:
٦- ٧: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً أي إن الله هو الذي جعل الأرض موضع استقرار وثبات، تستقر عليها المباني والأمتعة، ويحيى فيها الأشخاص ويموتون، ويمشون ويتصرفون في أنحائها، وجعل أيضا السماء سقفا للعالم محفوظا قائما ثابتا أيضا، لا ينهدم ولا يتصدع، وزيّنه بالكواكب والنجوم.
وبعد بيان بعض دلائل الآفاق والأكوان (وهي كل ما هو غير الإنسان من هذا العالم) وهي اثنان (أحوال الليل والنهار، وأحوال الأرض والسماء) ذكر الله تعالى دلائل الأنفس على وجوده وقدرته وهي ثلاثة (إحداث صورة الإنسان، وتحسينها، والرزق من الطيبات) فقال:
٨- ٩: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي وخلقكم في أحسن صورة، وأجمل شكل، وأبدع تقويم في انتصاب القامة، وتناسب الأعضاء، والتهيؤ لمزاولة مختلف أنواع المكاسب والمعاشات، ورزقكم من طيبات الرزق ولذائذه من الطعام والشراب.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي ذلكم المتصف بهذه الصفات الجليلة، المنعم بهذه النعم العظيمة، هو الرب الذي لا تصلح الربوبية لغيره، فتقدس وتنزه الله رب العالمين من الإنس والجن عن صفات النقص وعما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة.
وبعد إثبات توحيد الربوبية أثبت توحيد الألوهية، فقال تعالى:
١٠- هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي إن هذا الرب المدبر المتصرف في الكون هو الحي حياة ذاتية، الباقي الذي لا يفنى، الأول والآخر والظاهر والباطن، المنفرد بالألوهية، فلا تصلح الألوهية لسواه، فاعبدوه مخلصين له الطاعة والعبادة، موحدين له، مقرين بأنه لا إله إلا هو.
وهو سبحانه المستحق الحمد والثناء والشكر على نعمه، فقال آمرا ومعلما عباده:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي إنه صاحب الحمد، المستحق الشكر والثناء، رب العالمين من الملائكة والإنس والجن. والجملة خبر فيها إضمار أمر، أي ادعوه واحمدوه.
روى ابن جرير عن ابن عباس قال: «من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين» ثم قرأ هذه الآية: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ص يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- إثبات البعث والاحتجاج على منكريه، فإن خلق السموات والأرض أكبر وأعظم من إعادة خلق الناس، والقادر على الأكبر قادر على الأصغر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
٢- لا تساوي إطلاقا بين المؤمن والكافر والضال والمهتدي، والذي يعمل الصالحات والذي يعمل السيئات، كما لا تساوي بين البصير والأعمى، ولكن لا تذكر ولا اتعاظ ولا اعتبار.
٣- إن الساعة آتية لا ريب فيها، فكما أن القيامة ممكنة الوجود، فهي واقعة فعلا وحادثة حتما، ولكن أكثر الناس لا يصدقون بذلك، وعندها يبين الفرق ما بين الطائع والعاصي.
٤- لا ينتفع أحد في يوم القيامة الذي هو حق وصدق إلا بطاعة الله تعالى، وأشرف أنواع الطاعات: الدعاء والتضرع، جاء في الحديث المتقدم: «الدعاء هو العبادة» فما على الناس إلا توحيد الله وعبادته، والله- تفضلا وكرما- يتقبل العبادة ويغفر للعابدين. جاء في الحديث عن أنس بن مالك فيما رواه الترمذي وابن حبان: «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع». والشسع: زمام النعل.
٥- من إحسان الله العظيم أنه ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء، في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.
٦- الله خلق الليل للسكن والراحة، وخلق النهار مضيئا لإبصار الحوائج فيه والتصرف في طلب المعايش، والله ذو الفضل العظيم على عباده، ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضله وإنعامه.
٧- الأدلة على وحدانية الله وقدرته بيّنة واضحة، فهو الله المربي والمدبر، وخالق كل شيء، والواحد الأحد، فمن العجب كيف ينصرف الناس عن الإيمان بعد توافر أدلته؟ وكما يصرف هؤلاء عن الحق مع قيام الدليل عليه يصرف عن الحق الجاحدون بآيات الله تعالى.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي