وكما مرت في الربع الماضي آية خاصة في خاتمة سورة الزمر، تصف الملائكة وهم حول العرش يسبحون الله ويحمدونه ( ٧٥ ) : وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، جاءت في هذا الربع أيضا آية كريمة أخرى تهز أعطاف المؤمنين الصادقين، إذ في هذه الآية تحدث كتاب الله عن حملة العرش من الملائكة، وأنهم- علاوة على كونهم يسبحون بحمده سبحانه - يتطوعون بالاستغفار للذين آمنوا من أهل الأرض وفيها حكى كتاب الله نفس الأدعية التي يدعون بها ربهم وهم في الملأ الأعلى لخير المؤمنين، مما يعطي الدليل القوي على متانة " رابطة الإيمان " التي تجمع بين ملائكة السماء والمؤمنين في الأرض، ويوضح إلى أي حد بلغت درجة التعاطف والتجاوب بين هذين الفريقين من المؤمنين، وذلك قوله تعالى : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا ، فها هنا يبين كتاب الله لكافة المؤمنين في الأرض أنهم ليسوا غرباء في هذا الكون ولا مجهولين، بل إن لهم إخوانا في الله يفكرون فيهم وفي مصيرهم، من عالم الملائكة والملأ الأعلى، ولا سيما بين حملة العرش المقربين إلى الله، فهاهم الملائكة إخوان المؤمنين يتوجهون إلى الله في أدب وخشوع، طالبين من الله لإخوانهم في الأرض، توبة من " واسع الرحمة " ومغفرة من " واسع العلم "، ممهدين للدعاء، بهذا النداء : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، ثم يدعون لإخوانهم المؤمنين التائبين، الملتزمين للصراط المستقيم، بغفران الذنوب، والنجاة من الكروب، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم( ٧ ) ، ولا يكتفون بهذا الدعاء وحده بل يضيفون إليه دعاء ثانيا يتضمن التماس الوفاء من الله بوعده الصادق، وإدخال المؤمنين إلى جنات عدن وهاهنا لا يقصرون الدعاء على المؤمنين وحدهم، بل يدرجون في دعائهم و يدمجون فيه كل من صلح من آباء المؤمنين، وأزواج المؤمنين، وذريات المؤمنين، سائلين لهم من الله جميعا الرضى والرضوان، والالتحاق بهم في جنات عدن، تتميما للنعمة عليهم، بجمع الشمل في دار البقاء، بعد انتشاره في دار الفناء : ربنا أدخلهم جنات عدن التي وعدتهم، ومن صلح من -آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم( ٨ ) .
وقوله تعالى على لسان الملائكة : ومن صلح ، إخراج لمن لم يكن من الصالحين من آباء المؤمنين أو أزواجهم أو ذرياتهم، فهؤلاء لا يلحقون بهذا الركب في الآخرة، بعدما فارقوه عقيدة وسلوكا، طيلة حياتهم وهم في الدنيا، إنه عمل غير صالح ( ٤٦ : ١١ )، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ( ١٠١ : ٢٣ ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري