ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

(يحق) على الذين كفروا في كل زمان ومكان، سواء من قريش وغيرهم، فهم على وشك نزول العقاب بهم.
محبة الملائكة حملة العرش للمؤمنين ونصرتهم
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٧ الى ٩]
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)
الإعراب:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ مبتدأ، وخبره: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.
وَمَنْ صَلَحَ معطوف على هم ضمير وَأَدْخِلْهُمْ.
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ مَنْ اسم موصول، مبتدأ، وخبره جملة فَقَدْ رَحِمْتَهُ.
المفردات اللغوية:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ هم الملائكة الكروبيون الذين هم أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجودا، وحملهم العرش عند بعضهم: مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، والْعَرْشَ مركز تدبير العالم، وهو حقيقة، الله أعلم به. يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يقرنون التسبيح (تنزيه الله عن كل النقائص) بالحمد والشكر، فيقولون: سبحان الله وبحمده. وَيُؤْمِنُونَ بِهِ بالله تعالى، أي يصدقون ببصائرهم بوحدانية الله. وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يطلبون المغفرة لهم، فهم يشفعون لهم ويلهمون المؤمنين ما يوجب المغفرة، ويحملونهم على التوبة، وفيه تنبيه على أن المشاركة في

صفحة رقم 79

الإيمان توجب النصح والشفقة. رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً أي يقولون ربّنا، وهو بيان لقوله: يَسْتَغْفِرُونَ. والمعنى: يا ربنا، لقد وسعت رحمتك كل شيء، ووسع علمك كل شيء.
فَاغْفِرْ المغفرة: الستر. تابُوا من الشرك. وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ دين الإسلام.
وَقِهِمْ احفظهم واصرف عنهم. عَذابَ الْجَحِيمِ عذاب النار.
جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة دائمة. الْعَزِيزُ القوي الغالب القاهر. الْحَكِيمُ في صنعه.
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ احفظهم من عذابها أي جزاء السيئات. وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ يوم القيامة.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة للمؤمنين، بيّن هنا أن أشرف المخلوقات وهم حملة العرش والذين هم حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فلا تبال بالكفرة أيها الرسول، ولا تلتفت إليهم ولا تقم لهم وزنا، فإن حملة العرش ومن حوله ينصرونك.
التفسير والبيان:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا إن الملائكة حملة العرش ومن حوله من الملائكة الكروبيين الذين هم أفضل الملائكة يقرنون بين التسبيح (التنزيه) الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات الثناء والتمجيد، ويصدقون بوجود الله ووحدانيته ولا يستكبرون عن عبادته، فهم خاشعون له، أذلاء بين يديه، ويطلبون المغفرة للذين آمنوا من أهل الأرض ممن آمن بالغيب.
ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم السلام، فهم يؤمّنون على دعاء المؤمن لأخيه المؤمن بظهر الغيب، كما
ثبت في صحيح مسلم: «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين، ولك بمثله».
ونحن نؤمن بحمل الملائكة العرش، ونترك الكيف والعدد لله عز وجل،

صفحة رقم 80

ورأى بعض المفسرين أن المراد بالحمل: التدبير والحفظ، والعرش أعظم المخلوقات، ونؤمن به كما ورد.
وذكر ابن كثير أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كانوا يوم القيامة كانوا ثمانية، كما قال تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الحاقة ٦٩/ ١٧] «١».
وفائدة وصف الملائكة بالإيمان، مع أن التسبيح والتحميد يكون مسبوقا بالإيمان: هو إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه، كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتاب الله بالصلاح لذلك، وكما عقّب أعمال الخير بقوله تعالى:
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البلد ٩٠/ ١٧] فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى هي التنبيه على أن إيمانهم كغيرهم سواء بطريق النظر والاستدلال لا غير، لا بالمشاهدة والمعاينة «٢».
وصيغة استغفارهم للمؤمنين هي:
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فاستر واصفح عن الذين تابوا عن الذنوب، واتبعوا سبيل الله وهو دين الإسلام، واحفظهم من عذاب الجحيم- عذاب النار.
قال خلف بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله، نائما على فراشه، والملائكة يستغفرون له.

(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٧١
(٢) الكشاف: ٣/ ٤٥، تفسير الرازي: ٢٧/ ٣٢ [.....]

صفحة رقم 81

رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ربنا وأدخلهم جنات الإقامة الدائمة التي وعدتهم بها على ألسنة رسلك، وأدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، بأن كان مؤمنا موحدا قد عمل الصالحات، اجمع بينهم وبينهم، تكميلا لنعمتك عليهم، وتماما لسرورهم، فإن الاجتماع بالأهل أكمل للبهجة والأنس، إنك أنت القوي الغالب الذي لا يغالب، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك.
ونظير الآية: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور ٥٢/ ٢١].
قال مطرّف بن عبد الله الشّخيّر: أنصح عباد الله للمؤمنين: الملائكة، ثم تلا هذه الآية: رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ الآية، وأغشّ عباده للمؤمنين: الشياطين.
وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة، سأل عن أبيه وابنه وأخيه، أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم قرأ سعيد بن جبير هذه الآية:
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ودعاؤهم إيجابي وسلبي، يشمل دخول الجنان ومنع العقاب، فقال تعالى:
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ، وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي واحفظهم من العقوبات أو العذاب وجزاء السيئات التي عملوها، بأن تغفرها لهم، ولا تؤاخذهم بشيء منها، وأبعد عنهم ما يسوؤهم من العذاب،

صفحة رقم 82

ومن تقيه السيئات يوم القيامة، فقد رحمته من عذابك، وأدخلته جنتك، وهذا هو الفوز الساحق الأكبر الذي لا فوز أفضل منه.
وفائدة استغفار الملائكة للمؤمنين التائبين الصالحين الموعودين المغفرة وعدا لا خلف فيه: زيادة الكرامة والثواب.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
١- أخبر الله تعالى عن الملائكة حملة العرش بثلاثة أشياء: التسبيح المقرون بالتحميد، والإيمان الكامل بالله تعالى وحده لا شريك له، والاستغفار للمؤمنين شفقة عليهم. ويلاحظ أنه قدم التسبيح والتحميد على الاستغفار، لأن التعظيم لأمر الله مقدم على الشفقة على خلق الله.
والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لا يليق، والتحميد: الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق، والأول إشارة إلى الجلال، والثاني إشارة إلى الإكرام، كما قال تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن ٥٥/ ٧٨].
والعرش أعظم المخلوقات، نؤمن به، وندع أمر وصفه لله عز وجل. لكن يجب تنزيه الله عن التحديد والتجسيم والتكييف والحصر في مكان معين.
٢- احتج كثير من العلماء بهذه الآية: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ.. في إثبات أن الملك أفضل من البشر، لأن الملائكة لما فرغوا من الثناء على الله والتقديس، اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم، وهم المؤمنون. وهذا يدل على أنهم مستغنون عن الاستغفار لأنفسهم، وإلا لبدؤوا بأنفسهم قبل غيرهم، بدليل
قوله ص: فيما رواه النسائي عن جابر «ابدأ بنفسك»
وقوله تعالى لنبيه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد ٤٧/ ١٩] فأمر محمدا ص أن يستغفر لنفسه، ثم لغيره.

صفحة رقم 83

٣- تدل هذه الآية أيضا على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين، لأن الاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العقاب، أما طلب النفع الزائد وهو زيادة الثواب للمؤمنين، فإنه لا يسمى استغفارا.
٤- قال أهل التحقيق: إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن زلة سبقت.
٥- إن الدعاء في أكثر الأحوال يبدأ بلفظ «ربنا» كما فعل الملائكة في دعائهم: رَبَّنا وَسِعْتَ.. رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ.. ومن أرضى الدعاء: أن ينادي العبد ربه بقوله: «يا رب».
٦- السنة في الدعاء: أن يبدأ فيه بالثناء على الله تعالى، ثم يذكر الدعاء عقيبه، بدليل هذه الآية، فإن الملائكة لما عزموا على الدعاء والاستغفار للمؤمنين، بدؤوا بالثناء، فقالوا: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً وكذلك بدأ إبراهيم الخليل بالثناء أولا على الله الهادي، الرزاق، الشافي، المحيي، الغفار، ثم قال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشعراء ٢٦/ ٧٨- ٨٣]. والعقل والأدب يدلان أيضا على هذا الترتيب.
٧- وصف الملائكة الله تعالى في ثنائهم بقولهم: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً بثلاث صفات: الربوبية والرحمة والعلم، والربوبية إشارة إلى الإيجاد والإبداع، والرحمة إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر، وأنه تعالى خلق الخلق للرحمة والخير، لا للإضرار والشر.
٨- قوله سبحانه: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً دليل على كونه سبحانه عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات.
٩- اشتمل دعاء الملائكة على الخير كله وعلى أشياء كثيرة للمؤمنين وهي:

صفحة رقم 84

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية