ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

الأنعام: الإبل خاصة. فإن قلت: لم قال لِتَرْكَبُوا مِنْها ولتبلغوا عليها، ولم يقل، لتأكلوا منها ولتصلوا إلى منافع؟ أو هلا قال: منها تركبون ومنها تأكلون وتبلغون «١» عليها حاجة في صدوركم؟ قلت: في الركوب: الركوب في الحج والغزو، وفي بلوغ الحاجة: الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم، وهذه أغراض دينية إمّا واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق به إرادة الحكيم. وأما الأكل وإصابة المنافع: فمن جنس المباح الذي لا يتعلق «٢» به إرادته: ومعنى قوله وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وعلى الأنعام وحدها لا تحملون، ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر. فإن قلت: هلا قيل: وفي الفلك، كما قال قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؟
قلت: معنى الإيعاء «٣» ومعنى الاستعلاء: كلاهما مستقيم، لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها، فلما صح المعنيان صحت العبارتان. وأيضا فليطابق قوله وَعَلَيْها ويزاوجه أَيَّ آياتِ اللَّهِ
جاءت على اللغة المستفيضة. وقولك: فأية آيات الله قليل، لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب، وهي في أى أغرب لإبهامه.
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٨٢ الى ٨٣]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)

(١). قال محمود: «فان قلت: هلا قيل لتركبوا منها ولتأكلوا منها ولتبلغوا، ومنها تركبون ومنها تأكلون، وعليها تبلغون؟ وأجاب بأن في الركوب الركوب في الغزو والحج، وفي بلوغ الحاجة الهجرة من بلد إلى بلد لاقامة دين أو علم، وهذه أغراض دينية: إما واجبة أو مندوبة مما يتعلق به إرادة الحكيم. وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به الارادة» قال أحمد: جواب متداع للسقوط مؤسس على قاعدة واهية، وهي أن الأمر راجع إلى الارادة، فالواجب والمندوب مرادان، لأنهما مندرجان في الأمر، والمباح غير مراد، لأنه غير مأمور به، وهذا من هنيات المعتزلة في إنكار كلام النفس، فلا نطيل فيه النفس. وقاعدة أهل الحق أنه لا ربط بين الأمر والارادة، فقد يأمر بخلاف ما يريد، ويريد خلاف ما يأمر به، فالجواب الصحيح إذا أن المقصود المهم من الأنعام والمنفعة المشهورة فيها إنما هي الركوب وبلوغ الحوائج عليها بواسطة الأسفار والانتقال في ابتغاء الأوطار، فلذلك ذكرهما هنا مقرونين باللام الدالة على التعليل والغرض. وأما الأكل وبقية المنافع كالأصواف والأوبار والألبان وما يجرى مجراها فهي وإن كانت حاصلة منها فغير خاصة بها خصوص الركوب والحمل وتوابع ذلك، بل الأكل بالغنم خصوصا الضأن أشهر، فلذلك اختيرت الضحايا منها على الغنم، فلذلك جردت هذه المنافع بالأخبار عن وجودها فيها غير مقرونة بما يدل على أنها المقصود.
(٢). قوله «المباح الذي لا يتعلق به» مبنى على مذهب المعتزلة: أن الارادة بمعنى الأمر فلا تتعلق إلا بالمطلوب.
وعند أهل السنة: هي صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه، فتتعلق بجميع الممكنات، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)
(٣). قوله «معنى الايعاء» في الصحاح: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. (ع)

صفحة رقم 181

وَآثاراً قصورهم ومصانعهم. وقيل: مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام، ومحلها النصب، والثانية موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع، يعنى أى شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فيه وجوه: منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ: وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء، كما قال عز وجل كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ومنها: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بنى يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله: دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط: أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه، وقيل له.
لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ومنها: أن يوضع قوله فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ولا علم عندهم البتة، موضع قوله: يفرحوا بما جاءهم من العلم، مبالغة في نفى فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة، مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلماء. ومنها أن يراد: فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحى فرحين مرحين. ويدل عليه قوله تعالى وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ومنها: أن يجعل الفرح للرسل. ومعناه: أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادى واستهزائهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم:
فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات- وهي أبعد شيء من علمهم لبعثها على رفض الدنيا والظلف «١» عن الملاذ والشهوات- لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به.

(١). قوله «والظلف» في الصحاح: ظلفت نفسي عن كذا- بالكسر- تظلف ظلفا، أى: كفت. (ع)

صفحة رقم 182

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية