ثم ذكر بيان الساعة الموعودة بها في قوله : ولولا كلمة سبقت من ربك ؛ لأنها محل القضاء بين العباد، فكأن قائلا قال : متى ذلك ؟ فقال :
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُواْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ .
يقول الحق جلّ جلاله : إِليه يُرَدُّ عِلْمُ الساعةِ أي : إذا سُئل عنها يجب أن يقال : الله أعلم بوقت مجيئها، أو : لا يعلمها إلا الله، وما تَخْرُجُ من ثمراتٍ من أكمامها ؛ من أوعيتها، جمع " كِمَ " بكسر الكاف ؛ وهو وعاء الثمرة قبل أن تنشق، أي : لا يعلم كيفية خروجها ومآلها إلا الله. وما تحمل من أُنثى أي : تعلقُ النطفة في رحمها، وما ينشأ عنها من ذكورة وأنوثة وأوصاف الخلقة ؛ تامة أو ناقصة، ولا تضع حَملها إِلا بعلمه ؛ استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي : ما يحدث شيء من خروج ثمرة، ولا حمل حامل، ولا وضع واضع، ملابساً بشيء من الأشياء إلا ملابساً بعلمه المحيط.
و اذكر يومَ يُناديهم فيقولُ : أين شركائي بزعمكم، أضافهم إليه على زعمهم، وفيه تهكم بهم وتقريع، قالوا آذَنَّاك ما مِنَّا من شهيدٍ أي : من أحد يشهد لهم بالشركة، إذ تبرأنا منهم، لما عاينا حقيقة الحال، وتفسير " آذن " هنا بالإخبار، أحسن من تفسيره بالإعلام ؛ لأن الله تعالى كان عالماً بذلك، وإعلام العالم محال ؛ أما الإخبار للعالم بالشيء ليتحقق بما علم به فجائز، إلا أن يكون المعنى : إنك علمت من قلوبنا الآن : أنَّا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة ؛ لأنه إذا علمه من نفوسهم، فكأنهم أعلموه، أي : أخبرناك بأنَّا ما منا أحد اليوم يشهد بأنّ لك شريكاً، وما منا إلا مَن هو مُوَحَّد. أو :( ما منا من ) أحد يشاهدهم، لأنهم ضلُّوا عنهم في ساعة التوبيخ، وقيل : هو من كلام الشركاء، أي : ما منا شهيد يشهد بما أضافوا لنا من الشركة.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي