قَوْله تَعَالَى: ذَلِك الَّذِي يبشر الله عباده الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أَي: هَذَا الَّذِي يبشر الله عباده.
وَقَوله: قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى فِيهِ أَرْبَعَة أقاويل: أظهرها وأشهرها أَن مَعْنَاهُ: لَا أَسأَلكُم إِلَّا أَن تودوني لقرابتي مِنْكُم. وَقيل: تصلوا الْقَرَابَة الَّتِي بيني وَبَيْنكُم بالاستجابة لي إِلَى مَا أَدْعُو إِلَيْهِ، وتكفوا عني أذاكم، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس أوردهُ البُخَارِيّ عَنهُ فِي الصَّحِيح على لفظ مَعْلُوم مَقْبُول، وَهُوَ قَول طَاوس وَمُجاهد وَقَتَادَة، وَعَامة الْمُفَسّرين. قَالَ قَتَادَة: كَانَت قُرَيْش تصل الْأَرْحَام، فَطلب مِنْهُم النَّبِي أَن يصلوا الْقَرَابَة الَّتِي بَينه وَبينهمْ، وَألا يقطعوها.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا من بطن من بطُون قُرَيْش إِلَّا ولرسول الله فيهم قرَابَة، فَسَأَلَهُمْ أَن يصلوها.
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَا حكى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى مَعْنَاهُ: أَن يتوددوا إِلَى الله بِمَا يقربكم إِلَيْهِ من الْعَمَل الصَّالح.
وَالْقَوْل الثَّالِث: مَا حكى عَن الضَّحَّاك أَن الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله: قل مَا سألتكم من أجر فَهُوَ لكم إِن أجري إِلَّا على الله وَهَذَا القَوْل غير مرضِي عِنْد أهل
وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا إِن الله غَفُور شكور (٢٣) الْمعَانِي؛ لِأَن قَوْله: إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى لَيْسَ باستثناء صَحِيح حَتَّى يكون مُخَالفا لقَوْله: إِن أجري إِلَّا على الله بل هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: قل لَا أسالكم عَلَيْهِ أجرا أَي: مَالا، وَتمّ الْكَلَام. وَمعنى قَوْله: إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى لَكِن صلوا قَرَابَتي بالاستجابة لي أَو تكفوا أذاكم عني.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة لما علمُوا جد النَّبِي ظنُّوا انه يطْلب مَالا، فَجمعُوا لَهُ شَيْئا حسنا من أَمْوَالهم، وَقَالُوا: نعطيك هَذَا المَال، وكف عَمَّا أَنْت عَلَيْهِ، فَأنْزل الله الْآيَة على الْمَعْنى الَّذِي قدمنَا.
وَالْقَوْل الرَّابِع: مَا روى فِي بعض الغرائب من الرِّوَايَات بِرِوَايَة سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى قَوْله: إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى أَن تودوا أقربائي وتحبوهم.
وَحكى بَعضهم: أَن النَّبِي سُئِلَ عَن هَذِه، وَعَن معنى الْقُرْبَى فَقَالَ: " عَليّ وَفَاطِمَة وولدهما "، وَهَذَا أغرب الْأَقَاوِيل وأضعفها.
وَقَوله: وَمن يقترف حَسَنَة أَي: يكْتَسب حَسَنَة أَي: طَاعَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا أَي: نضاعف لَهُ الْحَسَنَة.
وَقَوله: إِن الله غَفُور شكور أَي: غَفُور للكثير من الذُّنُوب، شكور لليسير فِي الطَّاعَات.
أم يَقُولُونَ افترى على الله كذبا فَإِن يَشَأْ الله يخْتم على قَلْبك ويمح الله الْبَاطِل ويحق الْحق بكلماته إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو
صفحة رقم 75تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم