مناقشة المشركين.
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٢١ ) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( ٢٢ ) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ( ٢٣ ) .
تمهيد :
تأتى هذه الآيات في مناقشة المشركين وتبكيتهم على الشرك بأبلغ دليل، فتبدأ بسؤالهم : هل هناك شياطين أو أصنام شرعوا لكم الشرك بالله ؟ إن التشريع بيد الله وحده، وهو لم ينزل ولم يشرع لكم الشرك، فمن أين أتيتم به ؟ ولولا وعد الله بتأجيل العذاب إلى يوم القيامة لقضى بينكم بإنصاف المؤمنين وتعذيب المشركين، وفي يوم القيامة ترى الظالمين مشفقين خائفين من جزاء أعمالهم وظلمهم، وسينزل العذاب بهم خافوا أم صبروا.
بينما المؤمنون نازلون في أعلى منازل الجنة، ولهم كل ما يطلبونه من عند الله، وهذا هو الفضل الكبير، وهذه هي البشرى لهؤلاء المؤمنين وأنا لا أطلب منكم أجرا على تبليغ الرسالة، لكنني حريص على هدايتكم، راغب في تحقيق الإيمان لكم لقرابتي منكم، فامنعوا عني أذاكم بسبب هذه القرابة، أو أكرموني في عترتي وأهل بيتي، أو تقربوا إلى الله بطاعته وعبادته، والتقرب إليه بالدخول في دين الإسلام، ومن فعل حسنة ضاعف الله له الثواب فهو غفور شكور.
المفردات :
إلا المودة في القربى : لكنني حريص على تبليغ الرسالة لكم لأنكم أهلي وقرابتي، وآمل في إيمانكم، وفي أن تودوني لقرابتي فيكم، فتكفوا عني أذاكم، وتمنعوا عني أذى غيركم.
التفسير :
٢٣- ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ .
في الآية السابقة قارن الله بين عقوبة الظالمين وبين الفصل الكبير للصالحين في روضات الجنات، وهنا يقول : ذلك الفضل الكبير هو الذي يبشر الله به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، حيث يعجل لهم البشرى والأخبار السارة بمنازلهم في الجنة.
ثم يلقن الله تعالى رسوله بأن يتودد إلى قومه من قريش، حيث لم تكن قبيلة من قبائل قريش إلا وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبينها نسب وقرابة، فهو يقول لهم : لا أريد منكم أجرا على تبليغ الرسالة، لكنني حريص على إيمانكم بسبب ما بيني وبينكم من قرابة، فإذا لم تؤمنوا بي كرسول فكفوا أذاكم عني وحافظوا علي حتى أؤدي رسالة الله، بسبب ما بيني وبينكم من قرابة.
وقد أورد ابن كثير طائفة كبيرة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية، وذكر عدة آراء، كذلك ذكر الطبري وأبو السعود وغيرهما.
وخلاصة هذه الآراء ما يأتي :
( أ ) معناها : إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم مثل : علي وفاطمة وولديهما.
( ب ) لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا إلا التقرب والتودد إلى الله تعالى بالعمل الصالح.
( ج ) الرأي الثالث - وهو الذي رجحه الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن - وهو أنه صلى الله عليه وسلم لا يطلب منهم أجرا، إنما تدفعه المودة للقربى، وقد كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة بكل بطن من بطون قريش، ليحاول هدايتهم بما معه من الهدى، ويحقق الخير لهم إرضاء لتلك المودة التي يحملها لهم، وهذا أجره وكفى.
روى البخاري بسنده، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى : إلا المودة في القربى... فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد. فقال ابن عباس : عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من بطون قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.
وعند التأمل نجد أن القرآن لوَّن في أساليب الدعوة إلى الهدى، ومن بينها آصرة الأخوة الإنسانية تارة، والرغبة في مشاركة الناس في الخير الذي يحمله الرسول في دعوته تارة، فلا يستبعد هنا أن يطلب الرسول منهم أن يكفوا أذاهم عنه مراعاة للقرابة، وأن يسمعوا ويلينوا لما يحمله محمد صلى الله عليه وسلم من أسباب الهداية، فيكون هذا هو الأجر الذي يطلبه منهم لا سواه.
ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا...
ومن يعمل عملا صالحا، ويتزود بطاعة من الطاعات نضاعف له الثواب، ونزيد الحسنة إلى عشر أمثالها وإلى سبعمائة ضعف، ومن الحسنات المودة في القربى، وروى أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه لشدة محبته لأهل البيت.
إن الله غفور... واسع المغفرة عظيم الستر على عيوب عباده.
شكور . عظيم الشكر لمن أطاعه، حيث يوفيه حقه من الجزاء العظيم ويضاعف ثوابه، ألا ما أجلَّ فضل الله، إنه صاحب النعم وصاحب التوفيق والهداية، وصاحب المغفرة والشكر، فيا للفضل الذي يعجز الإنسان عن متابعته، فضلا على شكره وتوفيته.
تفسير القرآن الكريم
شحاته