وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين( ٤٠ )ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل( ٤١ )إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم( ٤٢ )ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ( الشورى : ٤٠-٤٣ ).
تفسير المفردات : السيئة : مأخوذة من السوء، وهو القبيح.
المعنى الجملي : بعد أن مدح فيما سلف الذين ينتصرون لأنفسهم ممن بغى عليهم – أردف ذلك ما يدل على أن ذلك الانتصار مقيد بالمثل، لأن النقصان حيف، والزيادة ظلم، والتساوي هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ثم ندب إلى العفو والإغضاء عن الزلات، ثم ذكر أنه لا مؤاخذة على من ينتصر لنفسه، وإنما المؤاخذة على من يظلم الناس، ويبغي في الأرض بغير الحق، وأن الصبر وغفران السيئة مما حث عليه الدين، وأجزل ثواب فاعله.
الإيضاح : وجزاء سيئة سيئة مثلها أي وجزاء سيئة المسيء عقوبته بما شرعه الله من عقوبة مماثلة لجرمه، وسمي هذا الجزاء سيئة مع أنه عقوبة مشروعة من الله مأذون بها، لأنها تسوء من تنزل به كما قال تعالى في آية أخرى : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ( النساء : ٧٨ )يريد ما يسوءهم من المصايب والبلايا.
وفي الآية حث على العفو، لأن الانتصار إنما يحمد إذا حصلت المماثلة في الجزاء، وتقديرها عسر شاق، وربما صار المظلوم حين استيفاء القصاص ظالما.
ونحو الآية قوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ( البقر : ١٩٤ )وقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ( النحل : ١٢٦ )وقوله : ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ( الأنعام : ١٦٠ ).
وقد أمر صلى الله عليه وسلم برد الشتم على الشاتم. أخرج النسائي وابن ماجه وابن مردويه عن عائشة قالت :( دخلت علي زينب وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلت علي تسبني فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنته، فقال لي : سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل سرورا )وكان هذا بمنزلة التعزيز منه لزينب بلسان عائشة، لما أن لها حقا في الرد وقد رأى فيه المصلحة. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( المستبان ما قالا من شيء فعلى لبادي حتى يعتدي المظلوم )ثم قرأ : وجزاء سيئة سيئة مثلها .
وقصارى ذلك : إن كل جناية على النفس أو المال تقابل بمثلها قصاصا، لأن إهدارها يوجب فتح باب الشرور والمفاسد، إذ في طبع الإنسان الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزدجر عنه تمادى فيه ولم يتركه، والزيادة على قدر الذنب ظلم، والشرائع تتنزه عن ذلك، ومن ثم شرع الله القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو فقال : والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ( المائدة : ٤٥ )وجاء تتمة لهذه الآية.
فمن عفا وأصلح فأجره على الله أي فمن عفا عن المسيء وأصلح ما بينه وبين من يعاديه بالعفو والإغضاء عما صدر منه، فأجره على الله، فيجزيه أعظم الجزاء.
وفي إبهام الأجر وجعله حقا على العظيم الكريم جل شأنه زيادة في الترغيب في العفو والحث عليه.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي : ألا ليقم من كان له على الله أجر فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا )وذلك قوله : فمن عفا الآية.
ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال :
إنه لا يحب الظالمين أي إنه تعالى لا يحب المتجاوزين الحد في الانتقام، وفي هذا تصريح بما تضمنه سالف الكلام من حسن رعاية طريق المماثلة وأنها قلما تخلو من الاعتداء والتجاوز عن الواجب، ولا سيما حال الحرد والتهاب الحمية، وحينئذ يدخل المنتقمون في زمرة من لا يحبهم الله.
المعنى الجملي : بعد أن مدح فيما سلف الذين ينتصرون لأنفسهم ممن بغى عليهم – أردف ذلك ما يدل على أن ذلك الانتصار مقيد بالمثل، لأن النقصان حيف، والزيادة ظلم، والتساوي هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ثم ندب إلى العفو والإغضاء عن الزلات، ثم ذكر أنه لا مؤاخذة على من ينتصر لنفسه، وإنما المؤاخذة على من يظلم الناس، ويبغي في الأرض بغير الحق، وأن الصبر وغفران السيئة مما حث عليه الدين، وأجزل ثواب فاعله.
تفسير المراغي
المراغي