قال المفسرون : سبب نزول هذه الآية : أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا تكلم الله، وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى، فنزلت وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا أي وكالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، المراد به القرآن. وقيل : النبوّة. قال مقاتل : يعني الوحي بأمرنا، ومعناه : القرآن، لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر. ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحى إليه، فقال : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب أي : أيّ شيء هو، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ، ولا يكتب، وذلك أدخل في الإعجاز، وأدلّ على صحة نبوّته، ومعنى : وَلاَ الإيمان أنه كان لا يعرف تفاصيل الشرائع، ولا يهتدي إلى معالمها، وخص الإيمان ؛ لأنه رأسها وأساسها. وقيل : أراد بالإيمان هنا الصلاة. قال بهذا : جماعة من أهل العلم منهم : إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، واحتجّ بقوله تعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم [ البقرة : ١٤٣ ] يعني الصلاة، فسماها إيماناً. وذهب جماعة إلى أن الله سبحانه لم يبعث نبياً إلاّ وقد كان مؤمناً به، وقالوا : معنى الآية : ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان. وقيل : كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلاً وفي المهد. وقال الحسين بن الفضل : إنه على حذف مضاف، أي ولا أهل الإيمان. وقيل : المراد بالإيمان دين الإسلام. وقيل : الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله به العباد ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء أي ولكن جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك ضياءً، ودليلاً على التوحيد، والإيمان نهدي به من نشاء هدايته مّنْ عِبَادِنَا ونرشده إلى الدين الحقّ وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ قال قتادة والسدّي ومقاتل : وإنك لتدعو إلى الإسلام، فهو الصراط المستقيم. قرأ الجمهور : لتهدي على البناء للفاعل. وقرأ ابن حوشب على البناء للمفعول. وقرأ ابن السميفع بضمّ التاء، وكسر الدّال من أهدي، وفي قراءة أبيّ :( وإنك لتدعو ).
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني