المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنهم يعترفون بالألوهية لله وأنه خالق السماوات والأرض، أردف هذا ببيان أنهم متناقضون مكابرون، فهم مع اعترافهم لله بخلق السماوات والأرض يصفونه بصفات المخلوقين المنافية لكونه خالقا لهما، إذ جعلوا الملائكة بنات له ولا غرو، فالإنسان من طبعه الكفران وجحود الحق، ومن عجيب أمرهم أنهم أعطوه أخس صنفي الأولاد، وما لو بشر أحدهم به اسود وجها وامتلأ غيظا، ومن يتربى في الزينة وهو لا يكاد يبين حين الجدل، فلا يظهر حجة ولا يؤيد رأيا، واختاروا لأنفسهم الذكران، ثم أعقبه بالنعي عليهم في جعلهم الملائكة إناثا، وزاد في الإنكار عليهم ببيان أن مثل هذا الحكم لا يكون إلا عن مشاهدة، فهل هم شهدوا ذلك ؟ ثم توعدهم على هذه المقالة وأنه يوم القيامة يجازيهم بها.
وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا أي سموهم وحكموا لهم بذلك، وفي هذا كفر من وجوه ثلاثة :
( ١ )إنهم نسبوا إلى الله الولد.
( ٢ )إنهم أعطوه أخس النصيبين.
( ٣ )إنهم استخفوا بالملائكة بجعلهم إناثا.
وقد رد الله عليهم مقالهم فقال :
أشهدوا خلقهم أي أحضروا خلق الله لهم، فشاهدوهم بنات حتى يحكموا بأنوثتهم ؟
ونحو الآية قوله : أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ( الصافات : ١٥٠ ).
وفي هذا تجهيل شديد لهم، ورمي لهم بالسفه والحمق.
ثم توعدهم على مقالهم فقال :
ستكتب شهادتهم ويسألون أي ستكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في الدنيا في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها يوم القيامة ليأتوا ببرهان على صحتها، ولن يجدوا لذلك سبيلا.
وفي هذا دليل على أن القول بغير برهان منكر، وأن التقليد لا يغني من الحق شيئا.
تفسير المراغي
المراغي