وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا [٤٣ ١٧]. يَعْنِي الْأُنْثَى، كَمَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [١٦ ٥٨] يَعْنِي فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْإِنَاثَ وَأَنْتُمْ لَوْ بُشِّرَ الْوَاحِدُ مِنْكُمْ بِأَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ أُنْثَى لَظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، يَعْنِي مِنَ الْكَآبَةِ، وَهُوَ كَظِيمٌ، أَيْ مُمْتَلِئٌ حُزْنًا وَغَمًّا، وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى - هُنَا: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [٤٣ ١٨] فَفِيهِ إِنْكَارٌ شَدِيدٌ وَتَقْرِيعٌ عَظِيمٌ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَعَ افْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ - جَلَّ وَعَلَا - الْوَلَدَ جَعَلُوا لَهُ أَنْقَصَ الْوَلَدَيْنِ، الَّذِي لِنَقْصِهِ الْخُلُقِيِّ يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ - مِنَ الْحُلِيِّ، وَالْحُلَلِ وَأَنْوَاعِ الزِّينَةِ - مِنْ صِغَرِهِ إِلَى كِبَرِهِ; لِيَجْبُرَ بِتِلْكَ الزِّينَةِ نَقْصَهُ الْخُلُقِيَّ الطَّبِيعِيَّ، وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ; لِأَنَّ الْأُنْثَى غَالِبًا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِحُجَّتِهَا وَلَا الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهَا.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى بِشَوَاهِدِهِ الْعَرَبِيَّةِ غَايَةَ الْإِيضَاحِ فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [١٧ ٩]. وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [١٦ ٥٧]. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ [١٦ ٦٢]. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [١٧ ٤٠]. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [٥٣ ٢١ - ٢٢]. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [٣٧ ١٤٩ - ١٥٧].
وَقَدْ قَدَّمْنَا كَثِيرًا مِنَ الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [١٦ ٥٧]. وَوَجْهُ التَّعْبِيرِ عَنِ الْأُنْثَى بِمَا ضُرِبَ مَثَلًا لِلَّهِ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا الْآيَةَ [٤٣ ١٧]- ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْبَنَاتِ الْمَزْعُومَةَ يُلْزِمُ ادِّعَاؤُهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَنْ نُسِبَتْ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ مَنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَكِلَاهُمَا يُشْبِهُ الْآخَرَ فِي صِفَاتِهِ.
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْألُونَ.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ عِنْدَ الرَّحْمَنِ بِسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الدَّالِ، ظَرْفٌ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [٧ ٢٠٦]. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَضَمِّ الدَّالِ، جَمْعُ عَبْدٍ، كَقَوْلِهِ: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الْآيَةَ [٢٥ ٦٣].
وَقَوْلُهُ: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ. قَرَأَهُ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ نَافِعٍ (أَشَهِدُوا) بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ فَتْحِ الشِّينِ، وَقَرَأَهُ نَافِعٌ (أَأُشْهِدُوا). بِهَمْزَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ مُحَقَّقَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ مُسَهَّلَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَقَالُوا: يُجْعَلُ بَيْنَ الْهَمْزَتَيْنِ أَلِفُ الْإِدْخَالِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَرْبَعَ مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّ الْكُفَّارَ افْتَرَوْا عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ إِنَاثٌ، زَاعِمِينَ أَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ وَبَّخَهُمْ عَلَى ذَلِكَ تَوْبِيخًا شَدِيدًا وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ يَعْنِي هَلْ حَضَرُوا خَلْقَ اللَّهِ لَهُمْ فَعَايَنُوهُمْ إنَاثًا.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ شَهَادَتَهُمُ الْكَاذِبَةَ بِذَلِكَ سَتُكْتَبُ عَلَيْهِمْ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الْأَرْبَعُ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
أَمَّا الْأُولَى مِنْهَا. وَهِيَ كَوْنُهُمُ اعْتَقَدُوا الْمَلَائِكَةَ إنَاثًا، فَقَدْ ذَكَرَهَا - تَعَالَى - فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [١٧ ٤٠]. وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى الْآيَةَ [٥٣ ٢٧]. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا الْآيَةَ [٣٧ ١٤٩ - ١٥٠]. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ سُؤَالُهُ - تَعَالَى - لَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ:
أضواء البيان
محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي