وإِنه في أُمّ الكتاب لدْينَا أي : وإن القرآن العظيم مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، دليله قوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ( ٢١ ) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظِ ( ٢٢ ) [ البروج : ٢١، ٢٢ ]. وسُمِّي أمّ الكتاب ؛ لأنه أصل الكتب السماوية، منه تُنقل وتُنسخ. وقوله تعالى : لَعَلِيٌّ خبر إن أي : إنه رفيع القدر بين الكتب، شريف المنزلة ؛ لكونه معجزاً من بينها. أو : في أعلى طبقات البلاغة. حكيمٌ ؛ ذو حكمة بالغة. أو : محكم، لا ينسخه كتاب.
وقوله تعالى : أَفَنَضْرِبُ عنكم الذِكْرَ صفحاً الآية، قال القشيري : وفي هذه إشارة لطيفة، وهو : ألا يُقطع الكلامُ عمّن تمادى في عصيانه، وأسرف في أكثر شأنه، فأحرى أن مَنْ لم يُقَصّرْ في إيمانه، أو تَلَطَّخَ بعصيانه، ولم يَدْخُل خَلَلٌ في عرفانه، فإنه لا يَمْنَعَ عنه رؤية لطائف غفرانه. هـ. يعني : أن الحق جلّ جلاله لم يقطع كلامه عمن تمادى في ضلاله، فكيف يقطع إحسانه عمّن تمسك بإيمانه، ولو أكثر من عصيانه. وكذلك أهل النسبة التصوفية، إذا اعوجّ أخوهم، لا يقطعون عنه كلامهم وإحسانهم، بل يلاطفونه، حتى يرجع، وهذا مذهب الجمهور.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي