ﮂﮃ ﮅﮆﮇﮈﮉﮊ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛ

سورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم

حم اى القرآن مسمى بحم او هذه السورة مسماة به يقول الفقير امده الله القدير حم اشارة الى الاسمين الجليلين من أسمائه تعالى وهما الحنان والمنان فالحنان هو الذي يقبل على من اعرض عنه وفى القاموس الحنان كشداد اسم لله تعالى ومعناه الرحيم انتهى والمنان هو الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال كما قال فى القاموس المنان من اسماء الله تعالى المعطى ابتداء انتهى وقد جعل فى داخل الكعبة ثلاث أسطوانات الاولى اسطوانة الحنان والثانية اسطوانة المنان والثالثة اسطوانة الديان وانما أضيفت الى الله تعالى تعظيما كما قيل بيت الله وناقة الله فاشار بهذه الأسماء الثلاثة حيث جعلت فى داخل الكعبة المشار بها الى الذات الاحدية الى ان مقتضى الذات هو الرحمة والعطاء فى الدنيا والمجازاة والمكافاة فى الآخرة وبرحمته انزل القرآن كما قال مقسما به وَالْكِتابِ بالجر على انه مقسم به اما ابتداء او عطف على حم على تقدير كونه مجرورا بإضمار باء القسم على ان مدار العطف المغايرة فى العنوان ومناط تكرير القسم المبالغة فى تأكيد مضمون الجملة القسمية الْمُبِينِ اى البين لمن أنزل عليهم لكونه بلغتهم وعلى أساليبهم فيكون من أبان بمعنى بان اى ظهر او المبين لطريق الهدى من طرق الضلالة الموضح لكل ما يحتاج اليه فى أبواب الديانة فيكون من ابان بمعنى اظهر وأوضح وقال سهل بين فيه الهدى من الضلالة والخير من الشر وبين سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء وقال بعضهم المراد بالكتاب الخط والكتابة يقال كتبه كتبا وكتابا خطه اقسم به تعظيما لنعمته فيه إذ فيه كثرة المنافع فان العلوم انما تكاملت بسبب الخط فالمتقدم إذا استنبط علما وأثبته فى كتاب وجاء المتأخر وزاد عليه تكاثرت به الفوائد يقول الفقير لعل السبب فى حمل الآيه على هذا المعنى الغير الظاهر لزوم اتحاد المقسم به والمقسم عليه على تقدير حملها على القرآن وليس بذلك كما يأتى إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ان قلت هذا يدل على ان القرآن مجعول والمجعول مخلوق وقد قال عليه السلام القرآن كلام الله غير مخلوق قلت المراد بالجعل هنا تصيير الشيء على حالة دون حالة فالمعنى انا صيرنا ذلك الكتاب قرءانا عربيا بانزاله بلغة العرب ولسانها ولم نصيره أعجميا بانزاله بلغة العجم مع كونه كلامنا وصفتنا قائمة بذاتنا عرية عن كسوة العربية منزهة عنها وعن توابعها لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ كلمة لعل مستعارة لمعنى كى وهو التعليل وسببية ما قبلها لما بعدها لكون حقيقة الترجي والتوقع ممتنعة فى حقه تعالى لكونها مختصة بمن لا يعلم عواقب الأمور وحاصل معناها الدلالة على ان الملابسة بالأول لاجل ارادة الثاني من شبه الارادة بالترجي فقوله لعلكم تعقلون فى موضع النصب على المفعول له وفعل الله تعالى وان كان لا يعلل بالغرض لكن فيه مصلحة جليلة وعاقبة حميدة فهى كلمة علة عقلا وكلمة مصلحة شرعا مع ان منع التعليل بالغرض العائد الى العباد بعيد عن الصواب جدا لمخالفته كثيرا من النصوص والمعنى لكى تفهموا القرآن العربي وتحيطوا بما فيه من النظم الرائق والمعنى الفائق وتقفوا على ما تضمنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر وتعرفوا حق النعمة فى ذلك وتنقطع أعذاركم بالكلية إذ لو

صفحة رقم 349

أنزلناه بغير لغة العرب ما فهمتموه فقوله انا جعلناه قرءانا عربيا جواب للقسم لكن لا على ان مرجع التأكيد جعله كذلك كما قيل بل ما هو غايته التي يعرب عنها قوله تعالى لعلكم تعقلون فانها المحتاجة للتأكيد لكونها منبئة عنى الاعتناء بأمرهم وإتمام النعمة عليهم وازاحة اعذارهم كذا فى الإرشاد وقال بعضهم أقسم بالقرءان على انه جعله قرءانا عربيا فالقسم والمقسم عليه من بدائع الاقسام لكونهما من واحد فالمقسم به ذات القرآن العظيم والمقسم عليه وصفه وهو جعله قرءانا عربيا فتغايرا فكأنه قيل والقرآن المبين انه ليس بمجرد كلام مفترى على الله وأساطير بل هو الذي تولينا انزاله على لغة العرب فهذا هو المراد بكونه جوابا لا مجرد كونه عربيا إذ لا يشك فيه وانما جعله مقسما به اشارة الى انه ليس عنده شىء أعظم قدرا وأرفع منزلة منه حتى يقسم به فان المحب لا يؤثر على محبوبه شيأ فاقسم ليكون قسمه فى غاية الوكادة وكذا لا أهم من وصفه فيقسم عليه وَإِنَّهُ اى ذلك الكتاب فِي أُمِّ الْكِتابِ اى فى اللوح المحفوظ فانه اصل الكتاب اى جنس الكتب السماوية فان جميعها مثبتة فيه على ما هى عليه عند الأنبياء ومأخوذة مستنسخه منه قال الراغب قوله فى أم الكتاب اى فى اللوح المحفوظ وذلك لكون كل منسوبا اليه ومتولدا فيه والكتاب اسم للصحيفة مع المكتوب فيها لَدَيْنا اى عندنا لَعَلِيٌّ رفيع القدر بين الكتب شريف حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة او محكم لا يتطرق اليه نسخ بكتاب آخر ولا تبديل وهما اى على وحكيم خبر ان لان وما بينهما بيان لمحل الحكم كانه قيل بعد بيان اتصافه بما ذكر من الوصفين الجليلين هذا فى أم الكتاب الذي هو اشرف مكان وأعزه لدينا والجملة استئناف لا محل لها من الاعراب وهذا كما قال فى الجلالين يريد انه يثبت عند الله فى اللوح المحفوظ بهذه الصفة واعلم ان اللوح المحفوظ خلقه الله تعالى من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه كما بين السماء والأرض ينظر الله تعالى فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق بكل نظرة ويحيى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء وفى الخبر إن أحرف القرآن فى اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وان تحت كل حرف معانى لا يحيط بها الا الله تعالى ولذا لم يقم لفظ مقام لفظه ولا حرف مقام حرفه فهو معجز من حيث اللفظ والمعنى ولما كان القلب الإنساني هو اللوح الحقيقي المعنوي نزل على قلبه عليه السلام القرآن واستقر فيه الى الابد دنيا وآخرة وكذا نزل من حيث المعنى على قلوب ورثته عليه السلام كما اخبر عنه ابو يزيد قدس سره وكما ان الله تعالى ينظر كل يوم فى اللوح المحفوظ ثلاثمائة وستين نظرة كذلك ينظر فى لوح القلب ذلك العدد فيمحو ما يشاء ويثبت والمراد باليوم هو اليوم الآتي المنبسط عند الله الى الف سنة وأشير إليها بعدد ايام السنة فافهم جدا فان كان القلب لوح الله تعالى فينبعى للعبد ان يمحو عنه آثار الغير ويزينه بما يليق به فانه لمنظر الإلهي قال بعض الكبار إذا كان ميل المرء الى الشهوة والصورة والخلق يشتغل بتزيين ظاهره باللباس المعتبر عند الناس وإذا كان ميله الى المحبة والحقيقة والحق يشتغل بتزيين باطنه بما يعتبر عند الله ولا يلتفت الى ظاهره بل يكتفى بما يحفظه من الحر والبرد اى شىء كان وقال بعض الكبار تتبع كتاب الله فى الليل والنهار يوصلك الى مقام لاحرار لان كل ما يؤدى

صفحة رقم 350

روح البيان

عرض الكتاب
المؤلف

إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء

الناشر دار الفكر - بيروت
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية