وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ قال مجاهد، والضحاك، والسدّي، وقتادة : إن المراد المسيح، وإن خروجه مما يعلم به قيام الساعة لكونه شرطاً من أشراطها، لأن الله سبحانه ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن خروج الدّجال من أعلام الساعة. وقال الحسن وسعيد بن جبير : المراد القرآن، لأنه يدلّ على قرب مجيء الساعة، وبه يعلم وقتها وأهوالها وأحوالها، وقيل المعنى : أن حدوث المسيح من غير أب وإحياءه للموتى دليل على صحة البعث. وقيل : الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم، والأوّل أولى. قرأ الجمهور لعلم بصيغة المصدر جعل المسيح علماً مبالغة لما يحصل من العلم بحصولها عند نزوله، وقرأ ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو مالك الغفاري، وقتادة، ومالك بن دينار، والضحاك، وزيد بن علي بفتح العين واللام، أي : خروجه علم من أعلامها، وشرط من شروطها، وقرأ أبو نضرة وعكرمة :" وإنه للعلم " بلامين مع فتح العين واللام، أي : للعلامة التي يعرف بها قيام الساعة فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا أي : فلا تشكنّ في وقوعها ولا تكذّبن بها، فإنها كائنة لا محالة واتبعون هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ أي اتبعوني فيما آمركم به من التوحيد وبطلان الشرك، وفرائض الله التي فرضها عليكم، هذا الذي آمركم به وأدعوكم إليه طريق قيم موصل إلى الحقّ. قرأ الجمهور بحذف الياء من اتبعون وصلا ووقفا، وكذلك قرءوا بحذفها في الحالين في أطيعون ، وقرأ يعقوب بإثباتها وصلا ووقفا فيهما، وقرأ أبو عمرو وهي : رواية عن نافع بحذفها في الوصل دون الوقف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس : أن رسول الله قال لقريش :«إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير»، قالوا : ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً، وقد عبدته النصارى ؟ فإن كنت صادقاً، فإنه كآلهتهم، فأنزل الله وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قلت : وما يصدّون ؟ قال :«يضجون» وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ قال :«خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة» وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال»، ثم تلا هذه الآية مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ . وقد ورد في ذمّ الجدال بالباطل أحاديث كثيرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس : أن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : أرأيت ما نعبد من دون الله أين هم ؟ قال :«في النار»، قالوا : والشمس والقمر ؟ قال :«والشمس والقمر» قالوا : فعيسى ابن مريم قال :«قال الله : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وجعلناه مَثَلاً لّبَنِى إسراءيل » وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، ومسدّد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني من طرق عنه في قوله : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ قال : خروج عيسى قبل يوم القيامة. وأخرجه الحاكم، وابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام، وقلت الأنساب، وذهبت الأخوة إلا الأخوة في الله، وذلك قوله : الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين » وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وحميد بن زنجويه في ترغيبه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب في قوله : الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين قال : خليلان مؤمنان، وخليلان كافران توفى أحد المؤمنين، فبشر بالجنة، فذكر خليله، وقال : اللَّهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشرّ، وينبئني أني ملاقيك، اللهم لا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له : اذهب ؛ فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً، ولبكيت قليلاً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال : ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه : نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعم الخليل ؛ وإذا مات أحد الكافرين بشر بالنار، فيذكر خليله، فيقول : اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك، ومعصية رسولك، ويأمرني بالشرّ، وينهاني عن الخير، وينبئني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت عليّ، فيموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال : ليثن كلّ واحد منكما على صاحبه، فيقول كل منهما لصاحبه : بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله : وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا ».