ونادَوْا وهم في النار لمَّا أيسوا من الفتور يا مالكُ وهو خازن النار. قيل لابن عباس : إن ابن مسعود يقرأ " يا مَالِ " - ورُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم - فقال :" ما أشغلَ أهلَ النَّار عن الترخيم، قيل : هو رمز إلى ضعفهم وعجزهم عن تمام اللفظ. ليقض علينا ربُّك أي : ليُمِتْنا حتى نستريح، مِن : قضى عليه إذا أماته، والمعنى : سل ربك أن يقضي علينا بالموت، وهذا لا ينافي ما ذكر من إبلاسهم ؛ لأنه جُؤار، وتمني الموت ؛ لفرط الشدة. قال إِنكم ماكثون ؛ لابثون في العذاب، لا تتخلصون منه بموت ولا فتور، قال الأعمش : أُنبئت أن بين دعائهم وبين إجابتهم ألف عام، وفي الحديث :" لو قِيلَ لأهل النار : إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا ؛ ولو قيل لأهل الجنة ذلك لحزنوا، ولكن جعل الله لهم الأبد " ١.
قال القشيري : ولقد قال الشيوخ : إن حالَ المؤمنين في النار - من وجه - أرْوَحُ لقلوبهم من حالهم اليوم في الدنيا ؛ لأن اليوم خوف الهلاك ؛ وغداً يقين النجاة، وأنشدوا :
ثم قال في قوله تعالى : ونادوا يا مالك لو قالوا : يا مَلِك بدل من يا مالك لكان أقربَ إلى الإجابة، ولكنَّ الأجنبيةَ حالت بينهم وبين ذلك. هـ. أي : تعلقهم بالمخلوق دون الخالق. عَيبُ السلامة أَنَّ صاحبَها مُتَوَقِّعٌ لِقَوَاصِمِ الظَّهْرِ وفَضِيلَةُ البَلْوَى تَرَقُّبُ أهلِها عُقْبَى الرَّجَاءِ ودَوْرَةُ الدَّهْرِ
وقوله تعالى : أم أبرموا أمراً... الخ، هي عادته تعالى مع خواصه كيفما كانوا، يرد كيد مَن كادهم في نحره.
وقوله تعالى : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم... الخ، قال القشيري : إنما خوَّفهم بسماع الملائكة، وكتابتهم أعمالهم عليهم، لغفلتهم عن الله، ولو كان لهم خبر عن الله لما خوّفهم بغير الله، ومَن عَلِمَ أن أعماله تُكتَبُ عليه، ويُطالَب بمقتضاها، قلَّ إلمامُه بما يخاف أن يُسأَلَ عنه. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي