يعلمون أن الله ربهم (١).
٨٧ - قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ الآية مفسرة في أواخر سورة العنكبوت [آية: ٦١] وفي غيرها.
٨٨ - وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ، قال ابن عباس: شكا إلى ربه تخلف قومه عن الإيمان (٢)، واختلفوا في انتصاب وَقِيلِهِ فذكر الأخفش والفراء فيه قولين: أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير، وقال وَقِيلِهِ وشكا شكواه إلى ربه، يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم- فانتصب وَقِيلِهِ بإضمار قال.
والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: إنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله (٣).
وقال أبو إسحاق: والذي أختاره أنا أن يكون نصبًا على معنى: وعنده علم الساعة، ويعلم قيله (٤)، وشرح أبو علي هذا القول فقال: نصب قيله على الحمل على موضع [...] (٥) الساعة مفعول بها وليست بظرف والمصدر مضاف إلى المفعول به ومثل ذلك قوله:
(٢) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ١٠٦ عن قتادة. وانظر: "تفسير الثعلبي" ١٠/ ٩٢ ب من غير نسبة، ونسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" ٧/ ٣٣٤ لابن عباس.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٣٨، ولم أجده في "معاني الأخفش"، وانظر: "الدر المصون" ٦/ ١٠٩.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٤٢١.
(٥) كذا في الأصل وقد سقط لفظ [وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ لأن]، انظر: "الحجة" لأبي علي ٦/ ١٦٠.
| قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا | مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا (١) |
| يَسْعَى الوشَاةُ حَواليها وقِيلِهم | إنَّك يا ابْن أبي سَلْمَى لَمَقْتُولُ (٢) |
قال ابن عباس في تقدير الآية: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، ونحو هذا قال مقاتل (٥).
(٢) البيت لكعب بن زهير في "ديوانه" ص ١٩ من قصيدته المشهورة بالبردة، وانظر: "الحجة" لأبي علي ٦/ ١٦٠، "الجامع لأحكام القرآن" ١٦/ ١٢٤.
(٣) "الحجة" ٦/ ١٦٠، "معاني القرآن" للفراء ٣/ ٣٨، "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٤٢١، "إعراب القرآن" للنحاس ٤/ ١٢٣.
(٤) انظر: "كتاب السبعة" لابن مجاهد ص ٥٨٩، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي ٢/ ٢٦٢، "الحجة في القرءات السبع" لابن خالويه ص ٣٢٣.
(٥) "تفسير مقاتل" ٣/ ٨٠٧، وذكر هذا المعنى بغير نسبة: البغوي ٧/ ٢٢٤، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٧/ ٣٣٤.
وقال المبرد: العطف على المنصوب حَسَن (١)، وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور، يجوز ذلك فيه على قبح؛ لأنه لا يفصل بينه وبين عامله إلا في ضرورة، ومعنى النصب: أنا لا نسمع قيله، وهو معطوف على منصوب قد تباعد منه، وكان حسنًا في المنصوب، ولما كان معنى الجر: وعنده علم الساعة وعلم قيله، فتح لما وصفنا، وقرأ ناس من غير السبعة: وقيله يا رب، بالرفع.
وقال أبو إسحاق: الرفع على معنى: وقيله هذا القول قول يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (٢).
قال أبو علي: الرفع يحتمل ضربين: أحدهما: أن يجعل الخبر، وقيله يا رب مسموع ومتقبل، فيا رب منصوب الموضع بقيله المذكورة، وعلى القول الآخر بقيل المضمر وهو من صلته، ولا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول، ويبقى بعضه، لأن حذف القول [قد كثر] (٣) حتى صار بمنزلة المذكور، وقد يحتمل بيت كعب الرفع على هذين الوجهين (٤)، والقيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عن قيل وقال" (٥).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٤٢١، "الحجة" ٦/ ١٦٠.
(٣) كذا في الأصل وفي "الحجة" (قد أضمر).
(٤) انظر: "الحجة" لأبي علي ٦/ ١٦١.
(٥) أخرجه الجاري عن المغيرة: "إن الله كره لكم ثلاثاً.. " الحديث، كتاب الزكاة باب قول الله: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ٢/ ١٣١، وفي الأدب باب عقوق =
قال أبو عبيد: يقال قلت قولاً، قال وسمعت الكسائي يقول في قراءة عبد الله ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ [مريم: ٣٤] قال الفراء: القال في معني القول، مثل العيب والعاب (١).
وقال الليث: تقول العرب كثير فيه: القيل والقال (٢)، أبو زيد: يقال: ما أحسن قيلك وقولك ومقالتك ومقالك وقالك، خمسة أوجه (٣).
قوله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ قال ابن عباس: أمسك عنهم، وقال مقاتل: أعرض عنهم وقيل سلام، اردد عليهم معروفًا (٤).
وقال ابن عباس: يريد مداراة حتى ينزل حكمي (٥).
قال المبرد: قال سيبويه: إنما معناه المتاركة كما تقول: سلام بسلام أي تركًا بترك (٦)، وهذا كقوله: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص: ٥٥] وقد مر. وقال الفراء: رفع (سلام) بضمير (عليكم) وما أشبهه، ولو
(١) انظر: هذه الأقوال في "تهذيب اللغة" للأزهري من قوله: ومنه قول النبي.. (لقى) ٩/ ٣٠٤، "اللسان" (قول) ١١/ ٥٧٣.
(٢) انظر: "كتاب العين" (قول) ٥/ ٢١٣.
(٣) انظر: قولي الليث وأبي زيد في "تهذيب اللغة" (لقى) ٩/ ٣٠٥.
(٤) أورد ذلك القرطبي ١٦/ ١٢٤ عن ابن عباس لكن بلفظ: أعرض عنهم، وانظر: "تفسير مقاتل" ٣/ ٨٠٧.
(٥) انظر: "تفسير الوسيط" ذكر ذلك عن عطاء ٤/ ٨٤.
(٦) انظر: "الكتاب" ١/ ٣٢٦.
كان: وقيل سلامًا، كان صوابًا (١).
قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قرئ: بالتاء والياء، فمعنى التاء أن الله تعالى أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقول للمشركين: سلام عليكم ويقول لهم سلام فسوف تعلمون، ومن قرأ بالياء حمل على الغيبة التي هي (فاصفح عنهم.. فسوف يعلمون) (٢) قال ابن عباس: وهذا وعيد وتهدد من الله تعالى.
قال ابن عباس: وقوله: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ منسوخ بالسيف (٣).
وقال مقاتل: نسخ السيف الإعراض والسلام (٤).
وقال قتادة: أمر بالصفح عنهم ثم أمر بقتالهم (٥).
(٢) انظر: "الحجة" لأبي علي ٦/ ١٦١، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي ٢/ ٢٦٣.
(٣) ذكر ذلك ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" عن ابن عباس ص ٤٥٥، وذكره ابن حزم في "الناسخ والمنسوخ" ولم ينسبه ص ٥٥، وذكره من غير نسبة هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٨.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ٣/ ٨٠٧.
(٥) أخرج ذلك الطبري عن قتادة، انظر. "تفسيره" ١٣/ ١٠٧، ونسبه القرطبي لقتادة ١٦/ ١٢٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي