مِن ورائهم جهنمُ أي : من قدّامهم، لأنهم متوجهون إلى ما أعدّ لهم، أو : مِن خلقهم ؛ لأنهم معرضون عن ذلك، مقبلون على الدنيا، فإن الوراء : اسم للجهة التي يواريها الشخص من قدّام وخلف، ولا يُغني عنهم لا يدفع عنهم ما كسبوا من الأموال والأولاد شيئاً من عذاب الله تعالى، ولا ما اتخذوا من دون الله أولياءَ أي : الأصنام، و " ما " مصدرية، أو موصولة، وتوسيط حرف النفي بين المعطوفين ينبئ أن عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إغناء الأموال والأولاد قطعاً، مبني على زعمهم الفاسد، حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم ولهم عذاب عظيم لا يقادر قدره.
قوله تعالى : إذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً قال القشيري : وقد يُكاشَفُ العبدُ من مواطن القلب بتعريفاتٍ لا يداخله فيها ريبٌ، ولا يتخلله فيها شكٌّ فيما هو فيه من حاله، فإذا استهان بها وقع في ذُلِّ الحجْبة، وحجاب الفرقة وهوانها. هـ. فإذا صفا القلب صار مرسى لتجلي الواردات الإلهية، وهي آية من آياته، فإذا تجلّى فيه شيء بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدّبه الحق على ذلك، إما في ظاهره، وهو أخف، أو في باطنه بالحجبة أو الفرقة، ولقد سمعت شيخ شيخنا، مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه يقول : لي ثلاثون سنة ما خالفت قلبي في شيء إلا أدّبني الحق تعالى عليه. هـ. أي : في ظاهره، وذلك لغاية صفائه.
قوله تعالى : من ورائهم جهنم.. الآية، لا عذاب أشد من الحجب بعد الإظهار، والفرقة بعد الوصال، وأنشدوا :
انظر القشيري. فَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بَعْدَكَ لِلبُكَا فَلَيسَ لأيَّام الصَّفاء رجوعُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي