ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق هذا من تمام ما يقال لهم، والقائل بهذا : هم الملائكة وقيل : هو من قول الله سبحانه، أي يشهد عليكم، وهو استعارة، يقال : نطق الكتاب بكذا، أي بيّن، وقيل : إنهم يقرءونه فيذكرون ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم بالحق الذي لا زيادة فيه، ولا نقصان، ومحل ينطق النصب على الحال، أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة، وجملة إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل للنطق بالحقّ، أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، أي بكتبها، وتثبيتها عليكم.
قال الواحدي : وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقاً لما يعملونه، قالوا : لأن الاستنساخ لا يكون إلاّ من أصل. وقيل المعنى : نأمر الملائكة بنسخ ما كنتم تعملون. وقيل : إن الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله العبد، فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات، وتركوا المباحات. وقيل : إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله سبحانه أمر عزّ وجلّ أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط منها ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عبد الله بن باباه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» ثم قرأ سفيان ( ويرى كل أمة جاثية ) وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله : وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً قال : كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق، فذلك المقام المحمود. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق قال : هو أمّ الكتاب فيه أعمال بني آدم إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ قال : هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه بمعناه مطوّلاً، فقام رجل فقال :«يا ابن عباس، ما كنا نرى هذا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال ابن عباس : إنكم لستم قوماً عرباً إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هل يستنسخ الشيء إلاّ من كتاب ؟» وأخرج ابن جرير عنه نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب قال :«إن لله ملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم». وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر نحو ما روي، عن ابن عباس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : يستنسخ الحفظة من أمّ الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإنسان ما استنسخ الملك من أمّ الكتاب، وأخرج نحوه الحاكم عنه وصححه.
وأخرج الطبراني عنه أيضاً في الآية قال :«إن الله وكل ملائكته ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة، فيتعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا قال : نترككم. وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يقول الله تبارك وتعالى : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار».


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية