وإِذا عَلِمَ من آياتنا شيئاً أي : إذا بلغه من آياتنا شيء يمكن أن يتشبّث بها المعاند، ويجد له محملاً فاسداً يتوسل به إلى الطعن والمغمزة، اتخذها أي : مهزوءاً بها، لا ما يسمعه فقط، وإنما لم يقل : اتخذه ؛ للإشعار بأنه إذا أحسّ بشيء من الكلام فيه شيء بزعمه الركيك ؛ لم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، بل يستهزئ بالجميع، ويجوز أن يرجع الضمير ( لشيء ) لأنه في معنى الآية. أولئك لهم بسبب جناياتهم المذكورة عذابٌ مُهين وصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم بآيات الله تعالى، وجمع الإشارة باعتبار ما في كل أفَّاك أثيم من الشمول، كما في قوله تعالى : كُلُّ حِزْبِ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [ المؤمنون : ٥٣ ]، وأفرد فيما سبق من الضمائر باعتبار كل واحدٍ واحد.
قوله تعالى : إذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً قال القشيري : وقد يُكاشَفُ العبدُ من مواطن القلب بتعريفاتٍ لا يداخله فيها ريبٌ، ولا يتخلله فيها شكٌّ فيما هو فيه من حاله، فإذا استهان بها وقع في ذُلِّ الحجْبة، وحجاب الفرقة وهوانها. هـ. فإذا صفا القلب صار مرسى لتجلي الواردات الإلهية، وهي آية من آياته، فإذا تجلّى فيه شيء بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدّبه الحق على ذلك، إما في ظاهره، وهو أخف، أو في باطنه بالحجبة أو الفرقة، ولقد سمعت شيخ شيخنا، مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه يقول : لي ثلاثون سنة ما خالفت قلبي في شيء إلا أدّبني الحق تعالى عليه. هـ. أي : في ظاهره، وذلك لغاية صفائه.
قوله تعالى : من ورائهم جهنم.. الآية، لا عذاب أشد من الحجب بعد الإظهار، والفرقة بعد الوصال، وأنشدوا :
انظر القشيري. فَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بَعْدَكَ لِلبُكَا فَلَيسَ لأيَّام الصَّفاء رجوعُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي