ثم ذكر وبال عقوقهما، فقال :
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيا أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ .
قلت : والذي قال مبتدأ، وخبره : أولئك الذين حقَّ عليهم القول ، والمراد بـ " الذي قال " الجنس، ولذلك جمع الخبر.
يقول الحق جلّ جلاله : والذي قال لوالديه عند دعوتهما إلى الإيمان : أُفًّ لكما وهو صوت يصدر عن المرء عند تضجُّره، وقَنَطِه، واللام لبيان المؤفّف، كما في " هيتَ لك " وفيه أربعون لغة، مبسوطة في محلها، أي : هذا التأفيف لكما خاصة، أو لأجلكما دون غيركما.
وعن الحسن : نزلت في الكافر العاقّ لوالديه، المكذِّب بالبعث، وقيل : نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر رضي الله عنه، قبل إسلامه. وأنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك، وقالت : والله ما نزل في آل أبي بكر شيئاً من القرآن، سوى براءتي١، ويُبطل ذلك قطعاً : قوله تعالى : أولئك الذين حق عليهم القول لأنَّ عبد الرحمان بن أبي بكر أسلم، وكان من فضلاء الصحابة، وحضر فتوحَ الشام، وكان له هناك غناء عظيم، وكان يسرد الصيامَ. قال السدي : ما رأيت أعبد منه. ه. وقال ابن عباس : نزلت في ابنٍ لأبي بكر، ولم يسمه، ويرده ما تقدّم عن عائشة، ويدل على العموم : قوله تعالى : أولئك الذين حقّ عليهم القول ، ولو أراد واحداً لقال : حق عليه القول.
ثم قال لهما : أَتعدانِني أن أُخْرَج أي : أُبعث وأُخرج من الأرض، وقد خَلَت القرونُ من قبلي ولم يُبعث أحد منهم، وهما يستغيثانِ اللّهَ يسألانه أن يُغيثه ويُوقفه للإيمان، أو يقولان : الغِياث بالله منك، ومن قولك، وهو استعظام لقوله، ويقولان له : وَيْلكَ دعاء عليه بالثبور والهلاك، والمراد به : الحث والتحريضُ على الإيمان، لا حقيقة الهلاك، آمِنْ بالله وبالبعث إِنَّ وعدَ الله بالبعث والحساب حَقٌّ لا مرية فيه، وأضاف الوعد إليه - تعالى - تحقيقاً للحق، وتنبيهاً على خطئه، فيقول مكذّباً لهما : ما هذا الذي تسميانه وعْد اللّهِ إلا أساطيرُ الأولين أباطيلهم التي سطروها في كتبهم، من غير أن يكون له حقيقة.
قلت : والذي قال مبتدأ، وخبره : أولئك الذين حقَّ عليهم القول ، والمراد بـ " الذي قال " الجنس، ولذلك جمع الخبر.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي