والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين( ١٧ )أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين( ١٨ )ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون( ١٩ )ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ( الأحقاف : ١٧ – ٢٠ ).
تفسير المفردات : أف : صوت يصدر من الإنسان حين تضجره، أخرج : أي أبعث من القبر للحساب، خلت القرون من قبلي : أي مضت ولم يخرج منها أحد، يستغيثان الله : أي يقولان الغياث بالله منك، يقال : استغاث الله واستغاث بالله، والمراد أنهما يستغيثان بالله من كفره، إنكارا واستعظاما له، حتى لجأ إلى الله في دفعه كما يقال العياذ بالله من كذا، ويلك : دعاء عليه بالثبور والهلاك، ويراد به الحث على الفعل أو تركه إشعارا بأن مرتكبه حقيق بأن يهلك، فإذا سمع ذلك ارعوى عن غيه وترك ما هو فيه وأخذ بما ينجيه، أساطير الأولين : أي أباطيلهم التي سطروها في الكتب من غير أن يكون لها حقيقة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه حال الداعين للوالدين، البررة بهما، ثم ذكر ما أعد لهما من الفوز والنجاة في الدار الآخرة – أعقب هذا بذكر حال الأشقياء العاقين للوالدين، المنكرين للبعث والحساب، المحتجين بأن القرون الخوالي لم تبعث، ثم رد الآباء عليهم بأن هذا اليوم حق لا شك فيه، ثم بإجابة الأبناء لهم بأن هذه أساطير الأولين وخرافاتهم، ثم ذكر أن أمثال هؤلاء ممن حق عليهم القول بأن مصيرهم إلى النار.
ثم أردف هذا أن لكل من البررة والكفرة منازل عند ربهم كفاء ما قدموا من عمل وسيجزون عليها الجزاء الأوفى، ثم أخبر بأنه يقال للكفار حين عرضهم على النار : أنتم قد تمتعتم في الحياة الدنيا، واستكبرتم عن اتباع الحق، وتعاطيتم الفسوق والمعاصي، فجازاكم الله بالإهانة والخزي والآلام الموجبة للحسرات المتتابعة في دركات النار.
الإيضاح : والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي أي والذي قال لوالديه أن دعواه إلى الإيمان والإقرار ببعث الله خلقه من قبورهم ومجازاته إياهم بأعمالهم : أف لكما إني لضجر منكما، أتقولان إني أبعث من قبري حيا بعد موتي وفنائي، وما لحقني من بلى وتفتت عظام ؟ إن هذا لعجب عاجب فها هي ذي قرون مضت، وأمم قد خلت من قبلي كعاد وثمود ولم يبعث منهم أحد، ولو كنت مبعوثا بعد وفاتي كما تقولان لبعث من قبلي من القرون الغابرة ؛ ألا ترى إلى قول من قال :
ما جاءنا أحد يخبر أنه في جنة لما مضى أو نار
وزعم مروان بن الحكم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد وردت عليه عائشة رضي الله عنها. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبيد الله قال : إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال : إن الله قد رأى لأمير المؤمنين( يعني معاوية )في يزيد رأيا حسنا أن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : سنة هرقل وقيصر١إن أبا بكر رضي الله عنه ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان : ألست الذي قال لوالديه أف لكما فقال عبد الرحمن : ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك، فسمعت عائشة فقالت لمروان : أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا، كذبت والله ما فيه نزلت، نزلت في فلان بن فلان.
والحق أن الآية لم ترد في شخص معين، بل المراد كل شخص يقول أمثال هذه المقالة فيدعوه أبواه إلى الإيمان بالبعث وإلى الدين الصحيح فيأبى وينكر.
وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق أي ووالده يستصرخان الله عليه، ويستغيثانه أن يوفقه إلى الإيمان بالبعث، ويقولان له حثا وتحريضا : هلاكا لك، صدق بوعد الله، وأنك مبعوث بعد وفاتك، إن وعد الله الذي وعده خلقه أنه باعثهم من قبورهم ومخرجهم منها إلى موقف الحساب لمجازاتهم حق لا شك فيه.
والخلاصة : إنهما يستعظمان قوله، ويلجآن إلى الله في دفعه، ويدعوان عليه بالويل والثبور، ليستحثاه على ترك ما هو فيه، ويشعراه بأن ما يرتكبه جدير بأن يهلك فاعله.
ثم ذكر رده عليهما مع الاستهزاء بهما والتعجيب من حالهما.
فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أي فيقول : مجيبا والديه، رادا عليهما نصحهما، مكذبا بوعد الله : ما هذا الذي تقولان لي، وتدعوان إليه، إلا ما سطره الأولون من الأباطيل، فأصبتماه أنتما وصدقتما به، ولا ظل له من الحقيقة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه حال الداعين للوالدين، البررة بهما، ثم ذكر ما أعد لهما من الفوز والنجاة في الدار الآخرة – أعقب هذا بذكر حال الأشقياء العاقين للوالدين، المنكرين للبعث والحساب، المحتجين بأن القرون الخوالي لم تبعث، ثم رد الآباء عليهم بأن هذا اليوم حق لا شك فيه، ثم بإجابة الأبناء لهم بأن هذه أساطير الأولين وخرافاتهم، ثم ذكر أن أمثال هؤلاء ممن حق عليهم القول بأن مصيرهم إلى النار.
ثم أردف هذا أن لكل من البررة والكفرة منازل عند ربهم كفاء ما قدموا من عمل وسيجزون عليها الجزاء الأوفى، ثم أخبر بأنه يقال للكفار حين عرضهم على النار : أنتم قد تمتعتم في الحياة الدنيا، واستكبرتم عن اتباع الحق، وتعاطيتم الفسوق والمعاصي، فجازاكم الله بالإهانة والخزي والآلام الموجبة للحسرات المتتابعة في دركات النار.
تفسير المراغي
المراغي