ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

ثم خوف هذه الأمة بما جرى على عاد، فقال :
وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ .
قلت : فيما موصولة، أو موصوفة، ومفعول اتخذوا الأول : محذوف، و آلهة مفعول ثان، أي : اتخذوهم آلهة، و قرباناً حال، ولا يصح أن يكون مفعولاً ثانياً لـ " اتخذوا "، و " آلهة " : بدل، لفساد المعنى، وأجازه ابن عطية، ووجه فساده : أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً ؛ لأن القربان مقصود لغيره، والآلهة مقصود بنفسها، فتأمله، و " إن " نافية، والأصل : فيما ما مكنكم فيه، ولمّا كان التكرار مستثقلاً جيء بأن، كما قالوا في مهما، والأصل : مَا مَا، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء، وقيل :" إن " صلة، أي : في مثل ما مكنكم فيه، والأول أحسن.
يقول الحق جلّ جلاله : ولقد مكَّنَّاهم أي : قررنا عاد ومكناهم في التصرُّف فيما أي : في الذي، أو في شيء ما مكناكم يا معشر قريش فيه من السعة والبسطة، وطول الأعمار، وسائر مبادئ التصرفات، فما أغنى عنهم شيء من ذلك، حين نزل بهم الهلاك، وهذا كقوله تعالى : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَكُمْ [ الأنعام : ٦ ] أو : ولقد مكنهم في مثل ما مكنكم فيه، فما جرى عليهم يجري عليكم، حيث خالفتم نبيكم، والأول أوفق بقوله : كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ [ غافر : ٢١ ] وقوله : هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً [ مريم : ٧٤ ].
وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدةً أي : آلات الإدراك والفهم، ليعرفوا بكل واحدة منها ما خلقتْ له، وما نيطت به معرفته، من فنون النعم، ويستدلوا بها شؤون منعمها، ويداوموا على شكرها، ويوحدوا خالقها، فما أغنى عنهم سمعُهم حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل، ولا أبصارهم حيث لم يُبصروا ما نصب من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى ووجوب وجوده، ولا أفئدتهم حيث لم يتفكّروا بها في عظمة الله تعالى وأسباب معرفته، فما أغنت عنهم من شيء أي : شيئاً من الإغناء. و من زائدة ؛ للتأكيد، وقوله : إِذ كانوا يجحدون بآيات الله ظرف لقوله : فما أغنى جارٍ مجرى التعليل، لاستواء مؤدّي التعليل والظرف في قولك : ضربته إذ أساء، أو : لإساءته، لأنك إذا ضربته وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، وكذلك الحال في " حيث " دون سائر الظروف غالباً، أي : فما أغنت عنهم آلات الإدراك لأجل جحودهم بآيات الله. وحاق أي : نزل بهم ما كانوا به يستهزؤون من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون : فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : التمكُّن من كثرة الحس لا يزيد إلا ضعفاً في المعنى، وبُعداً من الحق، ولذلك يقول الصوفية : كل من زاد في الحس نقص في المعنى، وكل ما نقص في الحس زاد في المعنى، والمراد بالمعنى : كشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وما مكّن اللّهُ تعالى عبدَه من الحواس الخمس إلا ليستعملها فيما يقربه إليه، ويوصله إلى معرفته، فإذا صرفها في غير ذلك، عُوقب عليها. وبالله التوفيق.



قلت : فيما موصولة، أو موصوفة، ومفعول اتخذوا الأول : محذوف، و آلهة مفعول ثان، أي : اتخذوهم آلهة، و قرباناً حال، ولا يصح أن يكون مفعولاً ثانياً لـ " اتخذوا "، و " آلهة " : بدل، لفساد المعنى، وأجازه ابن عطية، ووجه فساده : أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً ؛ لأن القربان مقصود لغيره، والآلهة مقصود بنفسها، فتأمله، و " إن " نافية، والأصل : فيما ما مكنكم فيه، ولمّا كان التكرار مستثقلاً جيء بأن، كما قالوا في مهما، والأصل : مَا مَا، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء، وقيل :" إن " صلة، أي : في مثل ما مكنكم فيه، والأول أحسن.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير