تفسير المفردات : حاق : أي أنزل.
المعنى الجملي : بعد أن أورد سبحانه الدلائل على إثبات التوحيد والنبوة التي أعرض عنها أهل مكة ولم يلتفتوا إليها ولم تجدهم فتيلا ولا قطميرا، لاستغراقهم في الدنيا واشتغالهم بطلبها – أردف هذا ذكر قصص عاد وما حدث منهم مع نبيهم هود عليه السلام وضرب لهم به المثل ليعتبروا فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا، ويقبلوا على طاعة الله، فقد كانوا أكثر منهم أموالا وأقوى منهم جندا، فسلط الله عليهم العذاب بسبب كفرهم، ولم يغن عنهم مالهم من الله شيئا.
الإيضاح : ثم أخبر سبحانه عن قوة عاد بقوله :
ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه أي ولقد مكنا عادا الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه، من الأموال الكثيرة، وبسطة الأجسام، وقوة الأبدان – وهم على ذلك ما نجوا من عقاب الله، فتدبروا أمركم، وفكروا فيما تعملون قبل أن يحل بكم العذاب، ولا تجدون منه مهربا.
ونحو الآية قوله : كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ( غافر : ٨٢ ).
وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء أي إنا فتحنا عليهم أبواب نعمنا، فأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الأدلة والحجج ليعتبروا ويتذكروا، وأعطيناهم أبصارا ليروا ما نصبناه من الشواهد الدالة على وجودنا فما انتفعوا بها، وأعطيناهم قلوبا تفقه حكمة الله في خلق الأكوان فما استفادوا منها ما يفيدهم في آخرتهم ويقربهم من جوار ربهم، بل صرفوها في طلب الدنيا ولذاتها، لا جرم لم ينفعهم ما أعطيناهم من السمع والأبصار والأفئدة، إذ لم يستعملوها فيما خلقت له من شكر من أنعم بها ودوام عبادته.
ثم بين العلة في عدم إغناء ذلك عنهم فقال :
إذ كانوا يجحدون بآيات الله أي لأنهم كانوا يكذبون رسل الله، وينكرون معجزاتهم.
وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون أي ونزل بهم ما سخروا به فاستعجلوه من العذاب.
وفي هذا تخويف لأهل مكة حتى يحذروا من عذاب الله، ويخافوا عقابه، فإن عادا لما اغتروا بدنياهم، وأعرضوا عن قول الحق – نزل بهم العذاب، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم شيئا – فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى.
ولما أخبر بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة، ليتعظ بهم من سمع أمرهم، أتبعه بذكر من كان مشاركا لهم في التكذيب، فأدركه سوء العذاب كما أدركهم فقال :
تفسير المراغي
المراغي