ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ قال المبرد : ما في قوله : فيما بمنزلة " الذي "، و " إن " بمنزلة " ما "، يعني : النافية، وتقديره : ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من المال وطول العمر وقوّة الأبدان، وقيل :«إن » زائدة، وتقديره : ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه، وبه قال القتيبي، ومثله قول الشاعر :

فما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا
والأوّل أولى ؛ لأنه أبلغ في التوبيخ لكفار قريش وأمثالهم وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً أي إنهم أعرضوا عن قبول الحجة، والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواسّ التي بها تدرك الأدلة، ولهذا قال : فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء أي فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد، وصحة الوعد والوعيد، وقد قدّمنا من الكلام على وجه إفراد السمع، وجمع البصر ما يغني عن الإعادة، و«من » في مِن شَيْء زائدة، والتقدير : فما أغنى عنهم شيء من الإِغناء، ولا نفعهم بوجه من وجوه النفع إذ كانوا يجحدون بآيات الله الظرف متعلق ب أغنى ، وفيها معنى التعليل أي لأنهم كانوا يجحدون وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يستهزئون أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء حيث قالوا : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الأحقاف : جبل بالشام. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه في قوله : هذا عارض ممطرنا قال : هو السحاب. وأخرج البخاريّ ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، قلت : يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر. وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، قال :«يا عائشة : وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا : هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا » وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عنها قالت :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال :«اللَّهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به»، فإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرّي عنه، فسألته فقال :«لا أدري، لعله كما قال قوم عاد : هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ». وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالوا : غيم فيه مطر، فأوّل ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من رجالهم، ومواشيهم تطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم، وغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح ففتحت أبوابهم، ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت الرمل سبع ليال، وثمانية أيام حسوماً لهم أنين، ثم أمر الله الريح، فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر، فهو قوله : فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : ما أرسل الله على عاد من الريح إلاّ قدر خاتمي هذا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ يقول : لم نمكنكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : عاد مكنوا في الأرض أفضل مما مكنت فيه هذه الأمة، وكانوا أشدّ قوة وأكثر أموالاً وأطول أعماراً.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية