ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

أَحَدُهُمَا: إِنْكَارُ عَادٍ عَلَى هُودٍ أَنَّهُ جَاءَهُمْ، لِيَتْرُكُوا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَيَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ وَعَجِّلْهُ لَنَا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا تَقُولُ، عِنَادًا مِنْهُمْ وَعُتُوًّا.
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ جَاءَا مُوَضَّحَيْنِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي «الْأَعْرَافِ» : قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [٧ ٧٠].
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ.
ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ هُودًا قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّهُ يُبَلِّغُهُمْ مَا أُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِمْ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْبَلَاغُ، وَهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي «الْأَعْرَافِ» : قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [٧ ٦٧ - ٦٨]. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي سُورَةِ «هُودٍ» : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ الْآيَةَ [١١ ٥٧].
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ.
قَدْ قَدَّمَنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي سُورَةِ «فُصِّلَتْ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [٤١ ١٦].
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنَّ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ.
لَفْظَةُ إنْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِيهَا لِلْمُفَسِّرِينَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، يَدُلُّ اسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا هُوَ الْحَقُّ، دُونَ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنْ شَرْطِيَّةٌ، وَجَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ طَغَيْتُمْ وَبَغَيْتُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ زَائِدَةٌ بَعْدَ مَا الْمَوْصُولَةِ حَمْلًا لِـ مَا الْمَوْصُولَةِ عَلَى مَا النَّافِيَةِ ; لِأَنَّ مَا النَّافِيَةَ تُزَادُ بَعْدَهَا لَفْظَةُ إِنْ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.

صفحة رقم 233

كَقَوْلِ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَوِ النَّضْرِ الْعَبْدَرِيَّةِ:

أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً مَا إِنْ نَزِلَّ بِهَا النَّجَائِبَ تُخْفِقُوا
وَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ فِي الْخَنْسَاءِ:
مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِ كَالْيَوْمِ طَالِي أَيَنُقٍ جُرْبِ
فَـ (إِنْ) زَائِدَةٌ بَعْدَ (مَا) النَّافِيَةِ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَقَدْ حَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ (مَا) الْمَوْصُولَةَ، فَقَالُوا: تُزَادُ بَعْدَهَا (إِنْ) كَآيَةِ «الْأَحْقَافِ» هَذِهِ. وَأَنْشَدَ لِذَلِكَ الْأَخْفَشُ: يُرَجِّي الْمَرْءُ مَا إِنْ لَا يَرَاهُ وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْنَاهُ الْخُطُوبُ
أَيْ يُرْجِّي الْمَرْءُ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَرَاهُ، وَإِنْ زَائِدَةٌ، وَهَذَانِ هُمَا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ لَا تَظْهَرُ صِحَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا فِيهِ حَذْفٌ وَتَقْدِيرٌ.
وَالثَّانِي مِنْهُمَا فِيهِ زِيَادَةُ كَلِمَةٍ.
وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
أَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ الصَّوَابُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ (إِنْ) نَافِيَةٌ بَعْدَ (مَا) الْمَوْصُولَةِ، أَيْ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الَّذِي مَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الْأَجْسَامِ، وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالْعَدَدِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْقُرْآنَ يَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ لِكَثْرَةِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ يُهَدِّدُ كُفَّارَ مَكَّةَ بِأَنَّ الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ كَانَتْ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَقُوَّةً، وَأَكْثَرَ مِنْهُمْ عَدَدًا وَأَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، فَلَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِيَخَافُوا مِنْ تَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ بِسَبَبِهِ، كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي «الْمُؤْمِنِ» : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [٤٠ ٨٢].
وَقَوْلُهُ فِيهَا أَيْضًا: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ الْآيَةَ [٤٠ ٢١].

صفحة رقم 234

أضواء البيان

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي

سنة النشر 1415
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية