ثم ذكر حال من أغنى عنه سمع ونفعه، حيث استعمله فيما وصله إلى ربه، فقال :
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يا قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ .
قلت :" النفر " بالفتح : الجماعة من ثلاثة إلى عشرة، وقيل : إلى سبعة ولا يُقال نفر فيما زاد على عشرة، والرهط والقوم والعشيرة والعشر معناهم الجمع، ولا واحد لهم من لفظه، وهو للرجال دون النساء. قاله في المصباح. و من الجن نعت للنفر، وكذا يستمعون .
يقول الحق جلّ جلاله : و اذكر إِذ صرفنا إِليك نفراً من الجن أي : أملناهم إليك، وقبلنا بهم نحوك، وهم جن نصيبين، أو جن نينوى، قال في القاموس :" نِينوى " بكسر أوله، موضع بالكوفة، وقرية بالموصل ليونس عليه السلام. ه. يستمعون القرآن منه عليه السلام فلما حضروه أي : الرسول صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، أي : كانوا منه حيث يسمعونه، قالوا أي : قال بعضهم لبعض : أنصتوا اسكتوا مستمعين، فلما قضي تمّ وفرغ من تلاوته، وَلَّوا إِلى قومهم منذرين مقدّرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم.
رُوي : أن الجنَّ كانت تسترق السمع، فلما حُرست السماء، ورُموا بالشُهب، قالوا : ما هذا إلا لأمر حديث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، لتعرفوا ما هذا، فنهض سبعة أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى، منهم :" زوبعة " فمضوا نحو تهامة، ثم انتهوا إلى وادي نخلة، فوافقوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي صلاة الفجر، فاستمعوا القرآن، وذلك عند منصرفه من الطائف، حين ذهب يدعوهم إلى الله، فكذّبوه، وردُّوا عليه، وأغروا به سفاءهم، فمضى على وجهه، حتى وصل إلى نخل، فصلّى بها الغداة، فوافاه نفر الجن يصلي، فاستمعوا لقراءته، ولم يشعُر بهم، فأخبره الله تعالى باستماعهم(١).
وقيل : أمره اللّهُ تعالى أن يُنذر الجن، ويقرأ عليهم، فصرف الله إليه نفراً منهم، وجمعهم له، فقال صلى الله عليه وسلم :" إني أُمرت أن أقرأ على الجن، فمَن يتبعني ؟ " قالها ثلاثاً، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود، قال : فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، في شعب الحجون، فخطّ خطّاً، فقال :" لا تخرج عنه حتى أعود إليك "، ثم افتتح القرآن، وسمعت لغطاً شديداً، حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي، وغشيته أسوِدة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم تتقطع كقطع الحساب، ذاهبين، ففرغ صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فقال : أنمتَ ؟ فقلت : لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول : اجلسوا، فقال : لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :" هل رأيت شيئاً ؟ " قلت : نعم، رجالاً سوداً، في ثياب بيض، قال :" أولئك جن نصيبين " وكانوا اثني عشر ألفاً، والسورة التي قرأ عليهم : اقرأ باسم ربك .
قلت : المستجيب بنفسه هو المستجيب بالقيام بوظائف الإسلام، والمستجيب بقلبه القائم بوظائف الإيمان، والمستجيب بروحه القائم بوظائف الإحسان، والمستجيب بسره هو المتمكن من دوام الشهود والعيان، وقول : هجر فيما يُخاطب به، أي : كان يُخاطب بملاحظة الإحسان، فإذا لم يبادر قِيد بسلاسل الامتحان. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي