ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

يَتَبَسَّمُ، وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَ: يَا عَائِشَةُ: وَمَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا».
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، فَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ:
لَا أَدْرِي، لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا»
. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ «السَّحَابِ»، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي «الْعَظَمَةِ»، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا: غَيْمٌ فِيهِ مَطَرٌ، فَأَوَّلَ مَا عَرَفُوا أَنَّهُ عَذَابٌ رَأَوْا مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ رِجَالِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ تَطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِثْلَ الرِّيشِ دَخَلُوا بُيُوتَهُمْ وَغَلَّقُوا أَبْوَابَهُمْ، فَجَاءَتِ الرِّيحُ فَفَتَحَتْ أَبْوَابَهُمْ وَمَالَتْ عَلَيْهِمْ بِالرَّمْلِ، فَكَانُوا تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا لَهُمْ أَنِينٌ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ الرِّيحَ فَكَشَفَتْ عَنْهُمُ الرَّمْلَ وَطَرَحَتْهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَهُوَ قَوْلُهُ:
فَأَصْبَحُوا لَا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا قَدْرَ خَاتَمِي هَذَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ يَقُولُ: لَمْ نُمَكِّنْكُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْآيَةِ قَالَ:
عَادٌ مُكِّنُوا فِي الْأَرْضِ أَفْضَلَ مِمَّا مُكِّنَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ، وَكَانُوا أشدّ قوة وأكثر أموالا وأطول أعمارا.
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٥]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)
لَمَّا بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ فِي الْإِنْسِ مَنْ آمَنَ، وَفِيهِمْ مَنْ كَفَرَ، بَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ فِي الْجِنِّ كَذَلِكَ، فَقَالَ: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ، أَيْ: وَاذْكُرْ إِذْ صَرَفْنَا، أَيْ: وَجَّهْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ وَبَعَثْنَاهُمْ إِلَيْكَ، وَقَوْلُهُ: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ ثانية لنفرا أَوْ حَالٌ لِأَنَّ النَّكِرَةَ قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ الْأُولَى فَلَمَّا حَضَرُوهُ أَيْ: حَضَرُوا الْقُرْآنَ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ، وَقِيلَ: حَضَرُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم،

صفحة رقم 30

وَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى قالُوا أَنْصِتُوا أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اسْكُتُوا، أَمَرُوا بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَسْمَعُوا فَلَمَّا قُضِيَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ قُضِيَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ: فُرِغَ مِنْ تِلَاوَتِهِ. وَقَرَأَ حَبِيبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ولا حق بْنُ حُمَيْدٍ وَأَبُو مِجْلَزٍ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، أي: فرغ النبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ مِنْ تِلَاوَتِهِ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى تُؤَيِّدُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي حَضَرُوهُ لِلْقُرْآنِ، وَالْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ تُؤَيِّدُ أنه للنبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أَيِ: انْصَرَفُوا قاصدين إلى من وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لَهُمْ عَنْ مُخَالَفَةِ الْقُرْآنِ وَمُحَذِّرِينَ لَهُمْ، وَانْتِصَابُ «مُنْذِرِينَ» عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ، أَيْ: مُقَدِّرِينَ الْإِنْذَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنهم آمنوا بالنبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَحْثِ بَيَانُ ذَلِكَ. قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى يَعْنُونَ الْقُرْآنَ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَوَصَلُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا يَا قَوْمَنَا. قَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا يَهُودًا فَأَسْلَمُوا مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ: لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَيْ: إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ: إِلَى طَرِيقِ اللَّهِ الْقَوِيمِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم يَا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يعنون محمدا صلّى الله عليه وَسَلَّمَ أَوِ الْقُرْآنَ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أَيْ: بَعْضَهَا، وَهُوَ مَا عَدَا حَقَّ الْعِبَادِ، وَقِيلَ: إِنَّ مِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَقَعُ ابْتِدَاءُ الْغُفْرَانِ مِنَ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَنْتَهِي إِلَى غُفْرَانِ تَرْكِ مَا هُوَ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: هِيَ زَائِدَةٌ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْجِنِّ حُكْمُ الْإِنْسِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالتَّعَبُّدِ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَ لِمُؤْمِنِي الْجِنِّ ثَوَابٌ غَيْرَ نَجَاتِهِمْ مِنَ النَّارِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ الْقَائِلُونَ بِهِ أَنَّهُمْ بَعْدَ نَجَاتِهِمْ مِنَ النَّارِ يُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا، كَمَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي مُخَاطَبَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ- فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «١» فَامْتَنَّ سُبْحَانَهُ عَلَى الثَّقَلَيْنِ بِأَنْ جَعَلَ جَزَاءَ محسنهم الجنة، ولا ينافي هذا الاقتصار ها هنا عَلَى ذِكْرِ إِجَارَتِهِمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَازَى كَافِرَهُمْ بِالنَّارِ وَهُوَ مَقَامُ عَدْلٍ، فَكَيْفَ لَا يُجَازِي مُحْسِنَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَهُوَ مَقَامُ فَضْلٍ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَيْضًا مَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةُ، وَجَزَاءَ مَنْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ الْجَنَّةُ وَجَزَاءَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْجَنَّةُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى الْجِنِّ رُسُلًا مِنْهُمْ أَمْ لَا، وَظَاهِرُ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْإِنْسِ فَقَطْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى «٢». وَقَالَ: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ «٣» وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ:
وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ «٤»، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ بعد إبراهيم هو مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ

(١). الرّحمن: ٤٦ و ٤٧.
(٢). يوسف: ١٠٩.
(٣). الفرقان: ٢٠.
(٤). العنكبوت: ٢٧.

صفحة رقم 31

الأنعام: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
«١» فَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ مَجْمُوعِ الْجِنْسَيْنِ وَصَدَقَ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَهُمُ الْإِنْسُ، كَقَوْلِهِ: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٢» أي: من أحدهما وَمَنْ لَا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أَيْ: لَا يَفُوتُ اللَّهَ، وَلَا يَسْبِقُهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ هَرَبَ كُلَّ مَهْرَبٍ فَهُوَ فِي الْأَرْضِ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَفِي هَذَا تَرْهِيبٌ شَدِيدٌ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أَيْ: أَنْصَارٌ يَمْنَعُونَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. بَيَّنَ سُبْحَانَهُ بَعْدَ اسْتِحَالَةِ نَجَاتِهِ بِنَفْسِهِ اسْتِحَالَةَ نَجَاتِهِ بِوَاسِطَةِ غَيْرِهِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى مَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ: ظَاهِرٍ وَاضِحٍ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ دَلِيلًا عَلَى الْبَعْثِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الرُّؤْيَةُ هُنَا هِيَ الْقَلْبِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَالْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ، وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: أَلَمْ يَتَفَكَّرُوا وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي خَلَقَ هذه الأجرام العظام من السّموات وَالْأَرْضِ ابْتِدَاءً وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ أَيْ: لَمْ يَعْجِزْ عَنْ ذَلِكَ وَلَا ضَعُفَ عَنْهُ، يُقَالُ: عَيَّ بِالْأَمْرِ وَعَيِيَ إِذَا لَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ «٣» :

عَيَّوْا بِأَمْرِهِمُ كَمَا عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الْحَمَامَهْ
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: وَلَمْ يَعْيَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مُضَارِعَ عَيِيَ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْيَاءِ. بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً «٤». قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: الْعَرَبُ تُدْخِلُ الْبَاءَ مَعَ الْجَحْدِ وَالِاسْتِفْهَامِ، فَتَقُولُ: مَا أَظُنُّكَ بِقَائِمٍ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرٌ لِأَنَّ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَالْأَعْرَجُ وَالْجَحْدَرِيُّ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يَقْدِرُ» عَلَى صِيغَةِ المضارع، واختار أبو عبيد الْقِرَاءَةَ الْأُولَى، وَاخْتَارَ أَبُو حَاتِمٍ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ، قَالَ: لِأَنَّ دُخُولَ الْبَاءِ فِي خَبَرِ أَنَّ قَبِيحٌ. بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: يُقَالُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ هِيَ الْمَحْكِيَّةُ بِالْقَوْلِ، وَالْإِشَارَةُ بهذا إِلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ لَهُمْ يَوْمَ عَرْضِهِمْ عَلَى النَّارِ، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ وَالتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ مَا لَا يَخْفَى، كَأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قالُوا بَلى وَرَبِّنا اعْتَرَفُوا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ الِاعْتِرَافُ، وَأَكَّدُوا هَذَا الِاعْتِرَافَ بِالْقَسَمِ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ هِيَ حَقُّ الْيَقِينِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ جَحَدُهُ وَلَا إِنْكَارُهُ قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكُمْ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا وَإِنْكَارِكُمْ لَهُ، وَفِي هَذَا الْأَمْرِ لَهُمْ بِذَوْقِ الْعَذَابِ تَوْبِيخٌ بَالِغٌ وَتَهَكُّمٌ عَظِيمٌ. لَمَّا قَرَّرَ سُبْحَانَهُ الْأَدِلَّةَ عَلَى النُّبُوَّةِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ أَمَرَ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ، فَقَالَ: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَالْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَرَاهِينُ وَلَمْ يَنْجَعْ فِي الْكَافِرِينَ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ، أَيْ: أَرْبَابُ الثَّبَاتِ وَالْحَزْمِ فَإِنَّكَ منهم. قال مجاهد: أولو
(١). الأنعام: ١٣٠.
(٢). الرّحمن: ٢٢.
(٣). هو عبيد بن الأبرص.
(٤). النساء: ٧٩.

صفحة رقم 32

الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ خَمْسَةٌ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وعيسى ومحمد صلّى الله عليه وَسَلَّمَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ:
هُمْ نُوحٌ وَهُودٌ وَإِبْرَاهِيمُ، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يَكُونَ رَابِعَهُمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُمْ سِتَّةٌ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَلُوطٌ وَمُوسَى. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّ مِنْهُمْ إِسْمَاعِيلَ وَيَعْقُوبَ وَأَيُّوبَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ يُونُسُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْكَلْبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ، فَأَظْهَرُوا الْمُكَاشَفَةَ وَجَاهَدُوا الْكَفَرَةَ، وَقِيلَ: هُمْ نُجَبَاءُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ: إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَنُوحٌ وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَأَيُّوبُ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَهَارُونُ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسُ وَإِسْمَاعِيلُ وَالْيَسَعُ وَيُونُسُ وَلُوطٌ. وَاخْتَارَ هَذَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «١» وقيل: إن الرسل كلهم أولو عزم، وقيل: هم اثنا عشر نبيا أرسلوا إلى نبي إِسْرَائِيلَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمْ أَرْبَعَةٌ: إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَدَاوُدُ وَعِيسَى وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أَيْ: لَا تَسْتَعْجِلِ الْعَذَابَ يَا مُحَمَّدُ لِلْكُفَّارِ. لَمَّا أَمَرَهُ سُبْحَانَهُ بِالصَّبْرِ وَنَهَاهُ عَنِ اسْتِعْجَالِ الْعَذَابِ لِقَوْمِهِ رَجَاءَ أَنْ يُؤْمِنُوا قَالَ: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ أَيْ: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يُشَاهِدُونَهُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَلْبَثُوا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَدْرَ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْأَيَّامِ لِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْهَوْلِ الْعَظِيمِ وَالْبَلَاءِ الْمُقِيمِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ بَلاغٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هَذَا الَّذِي وَعَظْتُهُمْ بِهِ بَلَاغٌ، أَوْ تِلْكَ السَّاعَةُ بَلَاغٌ، أَوْ هَذَا الْقُرْآنُ بَلَاغٌ، أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ لَهُمُ الْوَاقِعُ بَعْدَ قَوْلِهِ: «وَلَا تَسْتَعْجِلْ» أَيْ: لَهُمْ بَلَاغٌ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بَلَاغًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: بَلِّغْ بَلَاغًا، وَقَرَأَ أَبُو مِجْلَزٍ بَلِّغْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَقُرِئَ بَلَّغَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ فَهَلْ يُهْلَكُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَهْلِكُ بِعَذَابِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَارِجُونَ عَنِ الطَّاعَةِ الْوَاقِعُونَ فِي مَعَاصِي اللَّهِ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ مُشْرِكٌ. قِيلَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَقْوَى آيَةٍ فِي الرَّجَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: تَأْوِيلُهُ لَا يَهْلِكُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ منيع، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ كلا هما فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: هَبَطُوا: يَعْنِي الْجِنَّ عَلَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمَّا سَمِعُوهُ قَالُوا:
أَنْصِتُوا، قَالُوا: صَهٍ، وَكَانُوا تِسْعَةً أَحَدُهُمْ زَوْبَعَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ إِلَى قَوْلِهِ: ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ الزُّبَيْرِ: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ قَالَ: بِنَخْلَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ أي: الْآيَةَ، قَالَ: كَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ عنه نحوه قال: أتوه ببطن نخلة. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيضا قال:

(١). الأنعام: ٩٠. [.....]

صفحة رقم 33

صُرِفَتِ الْجِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانُوا أَشْرَافَ الْجِنِّ بِنَصِيبِينَ. وَأَخْرَجَ البخاري ومسلم وغير هما عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ مَنْ آذن النبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ قَالَ: آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَأَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم منكم أحد لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ، وَلَكِنَّا فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنَا: اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ «١» مَا فَعَلَ؟ قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَأَتَيْتُهُمْ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ» فَانْطَلَقَ فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا مِنْ طُرُقٍ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِالْحَمْلِ عَلَى قصتين وقعت منه صلّى الله عليه وَسَلَّمَ مَعَ الْجِنِّ حَضَرَ إِحْدَاهُمَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَحْضُرْ فِي الْأُخْرَى. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ أَنَّ الْجِنَّ بَعْدَ هَذَا وَفَدَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَأَخَذُوا عَنْهُ الشَّرَائِعَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ حَتَّى مَضَوْا عَلَى ذَلِكَ: نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَمُوسَى وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ كَانُوا ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ صَائِمًا ثُمَّ طَوَى، ثُمَّ ظَلَّ صَائِمًا ثُمَّ طَوَى، ثُمَّ ظَلَّ صَائِمًا قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ الدَّيْنَ لَا يَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَكْرُوهِهَا وَالصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِهَا، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنِّي إِلَّا أَنْ يُكَلِّفَنِي مَا كلّفهم، فقال: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَصْبِرَنَّ كَمَا صبروا جهدي، ولا قوّة إلا بالله».

(١). «استطير» : طارت به الجن.

صفحة رقم 34

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية