وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن... أي واذكر لقومك إذ وجهنا إليك جماعة من الجن، وكانوا من جن نصيبين من ديار بكر قرب الشام. أو من جن نينوى قرب الموصل. وكان عليه الصلاة والسلام يصلى بأصحابه صلاة الفجر بنخلة في طريق الطائف، ببينها وبين مكة مسيرة ليلة، ويقرأ سورة العلق – وقيل سورة الرحمان – فاستمعوا للقرآن، ثم عادوا إلى قومهم منذرين. فلما قضي فرغ من التلاوة. وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشعر بهم في هذه الواقعة، ولم يقصد إبلاغهم القرآن، وإنما صادف حضورهم وقت قراءته ؛ ويؤيده ظاهر آية " قل أوحى إلي أنه استمع نفر من الجن "، وهم المعنيون في هذه الآية. ولا يعارضه ما روي عن ابن مسعود من ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الجن، وإبلاغهم القرن وإنذارهم به ؛ فإنه في واقعة أخرى. بل دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات، ولتعدد الوقائع اختلفت الروايات في عدد الجن الذين حضروا، وفي المكان والزمان.
والمقصود من ذكر القصة : توبيخ كفار مكة ؛ إذ كفروا بالقرآن وجحدوا أنه من عند الله، وهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن، ومع ذلك عجزوا عن معارضته، ومن جنس الرسول الذي جاء به ؛ والجن – وهم ليسوا من أهل لسانه، ولا من جنس الرسول – استمعوه وأنصتوا إليه، وآمنوا به بمجرد سماعه. والنفر -بفتحتين- : ما بين الثلاثة والعشرة، ويطلق على ما فوق العشرة إلى الأربعين.
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف